بعد أن نجح تنظيم داعش بتثبيت أقدامه في كل من العراق وسوريا ثم في ليبيا بدأ يتجول ويتنقل زارعاً الموت في مساجد السعودية والكويت وفي المواقع السياحية التونسية وفي مدينة ليون الفرنسية ثم يخوض حرباً مع الجيش المصري شمال سيناء. وليس من المستبعد أن يعلن عن وجوده في أي مكان آخر في المستقبل، إذ يبدو أن ليس هناك مكان يمتلك من الحصانة ما يمنع استضافة هذا التنظيم.

ومع أن وسائل الإعلام نقلت هذه العمليات تحت عنوان «داعش»، فإن بعضها قد لا يكون حقيقة من صنع هذا التنظيم بل من صنع منظمات أو أحزاب تتخفى تحت عباءة داعش مرحلياً لأسباب أمنية خاصة بها.

كان لهذه السلسلة من الهجمات الإرهابية ردود أفعال سريعة ذات طابع استعراضي دعائي، فقد عقدت الجامعة العربية ثم مكتب البرلمان العربي اجتماعات طارئة لتدارس تداعيات هذه الهجمات الإرهابية وأعلنت تونس حالة الطوارىء. فقد دق ناقوس الخطر فالعمليات الإرهابية حول العالم قد سجلت ارتفاعاً ملحوظاً بالتزامن مع توسع عمليات داعش في العراق وسوريا.

العمليات الإرهابية هذه والتي سيحصل غيرها لا محالة في القادم من الأيام لا يمكن فهم نوازعها بمعزل عن الصراع الحضاري في العالم أجمع من جهة ولا يمكن عزلها كذلك عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في المجتمعات التي تعشعش فيها داعش من جهة أخرى.

صحيح أن عمليات داعش يمكن أن تطال أماكن عديدة في العالم إلا أن موطنها الحقيقي هو العالم العربي، فمؤسسو هذا التنظيم ومعظم المنتسبين إليه هم من الدول العربية وساحات نشاطاته الأساسية في هذه الدول بحيث أصبحت هذه المرحلة تمثل مرحلة صراع داخل العالم العربي مع التنظيمات الإرهابية.

هناك صعوبات في قراءة ملف تنظيم داعش قراءة واقعية والتنبؤ بمسارات الحرب عليه لأن ولادته وصعوده السريع يتيحان المجال لدول عديدة في المنطقة التي تزخر بالفتن الطائفية أن تغرف من حصاد عملياته.

الحرب على داعش وعلى التنظيمات الإرهابية عموماً لن تكون حرباً قصيرة ولن تحسم عسكرياً فحسب، فهناك ضرورات لمعالجات سياسية دولياً وإقليمياً. فعلى المستوى الدولي مازالت روسيا والصين رغم أهميتهما بعيدتان عن الانشغال بهذا الشأن، أما على المستوى الإقليمي فهناك بعض الدول غير قادرة بقياداتها الحالية أو بالسياسات التي تنتهجها هذه القيادات على الانسجام مع المجتمع الدولي فكرياً وسياسياً وعسكرياً في الحرب على هذه التنظيمات.

اعتادت الجهات المختصة في الغرب اعتبار ظاهرة الإرهاب من سمات تنظيمات جهادية ذات أيديولوجية واحدة لذلك تعاملت معها كما تعاملت من قبل مع تنظيم القاعدة دون أن تأخذ بعين الاعتبار الفوارق بين هذين التنظيمين فكراً وممارسة ولا إلى الفوارق في الظروف السياسية التي انبثق فيهما هذان التنظيمان. فقد أزال تنظيم داعش من الأذهان صورة القاعدة، حيث تفوق عليها كثيراً.

يعترف بعض الكتاب بأن الغرب لم يتمكن حتى الآن من هزيمة أفكار هذا التنظيم وربما لم يتمكن من تفهمها، فهذا التنظيم لايزال قادراً على جذب شرائح من المجتمعات الغربية نفسها إلى صفوفه. فوفق الإفادة التي أدلى بها نيكولاس راسموسن، مدير المركز الوطني الأميركي لمحاربة الإرهاب، أمام لجنة الأمن الوطني التابعة لمجلس النواب الأميركي في فبراير المنصرم بأن أكثر من 20 ألف مسلح من 90 بلداً التحقوا فعلاً بهذه التنظيمات.

لعل من أبرز الأخطاء التي وقع بها المختصون بالتعامل مع الإرهاب اعتبار هذا التنظيم مجرد مجموعة من المرضى النفسيين يجدون في التمرد على النظم القائمة وارتكاب أغرب عمليات القتل وحشية تنفيساً عن مكنونات ذواتهم المريضة، دون التمعن بالجذور الفكرية التي جعلت هذا التنظيم يتخذ من تكفير الآخرين عقيدة ومن الإرهاب غير المسبوق منهجاً.

كما أن هذه الجهات لم تعر ما يكفي من العناية لأساليب هذا التنظيم التي تكسبه بعض البريق لدى شرائح في المجتمعات الغربية.

الحرب التي يشنها التحالف الدولي على داعش في العراق اقتصرت حتى الآن على استهداف قيادات هذا التنظيم بجهد استخباري دقيق واستنزاف قواه عن طريق هجمات جوية متواضعة في عددها، أما على الأرض فليس هناك مكاسب تتناسب مع حجم هذا التحالف الذي يضم ستين دولة.

إن استفحال ظاهرة الإرهاب في العالم العربي قد كشف عن حجم النقص في المراكز المتخصصة غير الحكومية التي تعنى بالدراسات ذات الطابع الاستراتيجي والتي تلعب دوراً هاماً في رسم السياسات أو تقويم مساراتها.