تركيا في مرمى الأخطار

ت + ت - الحجم الطبيعي

كرر الرئيس التركي طيلة الأشهر الماضية تصريحات تؤكد وجود أخطار متزايدة تحيق ببلاده، وتهدد أمنها القومي. وقال رئيس وزرائه أحمد داوود أوغلو كلاماً مماثلاً، كما أدلى وزير خارجيته بأقوال مماثلة، بينما أعلن ضباط من هيئة أركان الجيش العامة استعدادهم لتنفيذ ما يصدر إليهم من أوامر، وألمحوا إلى خيارين محتملين بوسعهم اللجوء إليهما، أولهما احتلال منطقة بعرض ثلاثين إلى أربعين كيلو متراً في عمق الأراضي السورية، على امتداد مئة وثلاثين كيلو متراً بمحاذاة الحدود التركية، يتطلب احتلالها قرابة 18000 ضابط وجندي، وثانيهما الاكتفاء باستخدام المدفعية الثقيلة وسلاح الجوي من أجل فرض منطقة الأمن المطلوبة.

تنتقل تركية اليوم إلى التهديد بخربطة حسابات وخطط واشنطن، بعد أن راقبت ما ينفذ منذ بعض الوقت في منطقة محاذية لها من الجزيرة السورية، حيث يقام «كانتون حكم ذاتي» يسمونه «كردستان سوريا»، يعتقد الترك أنه سيزعزع أوضاعهم ويهدد دولتهم، لأنه يقوم تحت أنظارهم بجهود فرع من «تنظيم أم» مركزه بلادهم، تنشط قياداته من جبالهم، وينتمي معظم مقاتليه إلى جنسيتهم، فلا عجب أن قلقهم مشروع، وهم الذين كان قد أفزعهم تطور الأحداث السورية إلى درجة الإرباك، وجعلهم ينتهجون سياسات شديدة الحذر حيالها، قامت على حد أدنى من الانخراط فيها، وحد أعلى من العمل لإبقائها خارج وطنهم، غير أن تصاعدها، وتحول سوريا إلى ساحة تصفية حسابات عربية وإقليمية ودولية، شدهم بصور متنوعة إليها، بعد أن حملها بمخاطر متعاظمة على أمنهم، وطرح مسائل تمس بدولتهم، منها حجم الجهد الدولي الذي بذل لإبقاء الأزمة السورية مفتوحة ونازفة، ولجر قوى متزايدة التطرف إليها، ومنها تشابك برامج ورهانات متناقضة يفكك تحقيقها كيانات مشرقية ويعيد تركيبها انطلاقاً من استراتيجية اعتمدت خلال غزو العراق وبعده، كانت كوندوليزا رايس قد جعلت هدفها تقويض دول سايكس/ بيكو،لاستحالة تعايش مكوناتها الداخلية ورغبتها في الانفصال عن بعضها وبناء تكوينات سياسية خاصة بها ومستقلة، يجب أن تسبق قيامها حقبة «فوضى خلاقة» طبقها الأميركيون والإيرانيون في العراق، قبل أن يعممها الحدث السوري في المنطقة، على العرب والعجم جميعاً.

يخشى قادة حزب «العدالة والتنمية» التركي البلبلة العامة التي أثارتها هذه السياسات من حولهم، ويرون فيها مخاطر قد تطيح تطوراتها بكيانهم الوطني الراهن، لأسباب منها، التخلي عن دول سايكس/ بيكو العربية، واستبدالها بدول أثنية هنا، طائفية/ مذهبية هناك، بينها دولة كردستانية كان قد تقرر إقامتها بعد الحرب العالمية الأولى، وحين تم التخلي عنها ألحقت أراضيها بتركية وإيران ودولتي سايكس/ بيكو العراقية والسورية. هذه الدولة ستقتطع، في حال قيامها، ثلث مساحة تركية وربع سكانها، الذين سيتحولون إلى مواطني دولة تعادل تركية في المساحة وعدد السكان، سيكون لها ممر إلى المتوسط، إذا نجح في شقه كانتون الجزيرة.

ثم وجود دلائل تؤكد الميل إلى تغيير هوية دول المشرق وجوارها الإسرائيلي، عبر استمرار حال الفوضى وتفاقمها إلى أن تقبل مكونات مجتمعية حالية الانفكاك عن دولها، وتشكيل كيانات خاصة بها تحميها إسرائيل. هذه الحال من الفوضى، التي اعتبرها فاعلون سياسيون كثيرون حدثاً محلياً لن يصل إلى بلدانه ، تطورت إلى أن هددت دولهم، بما حملته إليها من أبعاد داخلية قوضت أمنها واستقرارها وأخضعتها لتطور تفكيكي فجر تناقضاتها، وعرضها لتفاعلات أثنية ومذهبية ومجتمعية أعجزتها عن ضبط مجالها الداخلي، والسيطرة على انتقالات سكانية تحول خلالها التهجير إلى توطين يمتص بدوره بقايا عافيتها.

هل ستدفع هذه المخاوف والمخاطر تركية إلى الحرب ضد كرد الكانتون؟ أعتقد أن القيادة التركية لن تقدم على أي إجراء بمفردها، كما صرح أحد مسؤوليها، وأنها تريد أحد أمرين أو كليهما: التفاهم مع قيادة أربيل على خطوط حمراء في المسألة الكردية، وخاصة في سوريا، والدخول في مداولات مع أوروبا وأميركا تتلقى خلالها ضمانات لهذا التفاهم، تحفظ كيانها من الاختراق: بقيام الحكم الذاتي في سوريا، أو التفكك: بقيام كردستان الكبرى.

إلى أن يحدث هذا، قد تمارس تركية ضغوطاً عسكرية هنا أو هناك، لا يضمن أحد ألا تحولها التعقيدات والحسابات الخاطئة إلى حرب، نشوبها يعني انتقالنا إلى الوضع الذي يحاول الترك تفاديه، بمخاطره الجسيمة على دولتهم.

طباعة Email