ماذا أعددنا كعرب للتحولات الكونية؟!

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا مراء في وقوع تحولات استراتيجية كبرى يمر بها عالمنا، وان كانت لم تكشف عن كامل ابعادها بعد. من هذه التحولات ما يقال عن انتقال مركز ثقل العلاقات والمصالح الدولية من المحيط الأطلسي بساحليه الأميركي والأوروبي إلى المحيط الهادي بطرفيه الأميركي والآسيوي، مع ما يوجد في الأخيرة من قوة اقتصادية لا نظير لها في أية بقعة أخرى من العالم.

وكانت أميركا قد ربطت دورها الدولي بعلاقاتها مع أوروبا، التنافسية منها والتكاملية، وركزت جهودها على إزاحة الهيمنة الأوروبية، استعمارية الطابع والوظيفة، والحلول محلها، دون أن تقوض قدراتها فتفقدها كشريك له الحصة الأكبر من تجارته الدولية. وحافظت واشنطن على مركزية علاقاتها الأوروبية ، بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابان.

اكثر من نصف التجارة العالمية بقليل يتم بين ضفتي الهادي ، في حين يتراجع دور اوروبا النسبي في الاقتصاد الدولي ، وتتقدم بسرعة عاصفة لاحتلال مواقعه القيادية دول جديدة ، ستحمل لقب عظمى خلال فترة تقاس بالأعوام ، كالصين والهند ، بينما تضاف إلى قائمة الناجين من التأخر الاقتصادي بلدان كان يعتقد بالأمس القريب أنها حالات ميؤوس منها تنمويا كاندونيسيا وفيتنام والفيليبين ، بيد انها شرعت تحتل مواقع متزايدة الأهمية في قوائم التجارة العالمية واجتذاب الاستثمارات ، مما جعل واشنطن تنعطف نحوها ، دون أن تدير ظهرها تماما لأوروبا .

حيث تلتزم بواجبات عسكرية وسياسية واقتصادية مكلفة ورثتها عن الحرب العالمية الثانية ، مقابل ميزان علاقات رابح مع بلدان المحيط الهادي والشرق الاقصى، نتج عن التسارع العاصف الذي شهده حجم التبادل التجاري معها ، وحجم فوائضها المالية وقدراتها الاستثمارية الموجهة نحو التوظيف في أميركا ، والتداخل المتعاظم بين اقتصادها واقتصادات بلدان هذه المنطقة، وما يعود به من ارباح على شركاتها ، الممسكة بقوة باوراق الاقتصاد الرمزي وبقدر من التقدم التقني والإداري يحفظ تفوقها ويديم الهوة التي تفصلها عن الاقتصادات الاخرى.

اميركا تواجه متاعب جدية في الطرف الآخر من المحيط الهادي ، الذي تمر دوله في طور تكون وصيرورة لم تبلغ معه صورتها الأخيرة بعد ، لذا، يصعب على أميركا تحديد مواقف نهائية منها ، كما يصعب عليها اعتماد سياسات واستراتيجيات ثابتة تجاهها ، بينما يهدد بعضها بقلب التوازنات الدولية خلال اعوام ، بفضل ما سيكون لها من قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية تعادل القوة الأميركية أو تتفوق عليها ، بكل ما سيترتب على هذا التحول التاريخي من مستجدات خطيرة النتائج بالنسبة إلى العلاقات الدولية ، التي تبلورت قبل نيف ومائة عام وانتجت عالمنا الحالي ، بقيادة الولايات المتحدة ، الدولة التي ستنزل عن عرشها كقوة عالمية أولى ومقررة ، وسيكون عليها التكيف مع أوضاع جديدة.

بسبب أهمية هذا التحول الانقلابي وما يحمله من مخاطر، تقوم أميركا بمراجعة شديدة الحذر والتأني للاستراتيجيات والسياسات، التي بنت مجدها كأول قوة في التاريخ تسيطر على المجال الاوراسي من خارجه . وتعيد واشنطن النظر في اوضاعها الداخلية والخارجية من أجل تحسين مواقعها في الصراع على عالم يتغير بعمق ، خوفا من ان تلقي بها ذات يوم غير بعيد قوى آسيوية صاعدة إلى مقاعد المسرح الدولي الخلفية ، وربما إلى خارج التاريخ ، فيصيبها ما اصاب قوى عظمى عديدة لم تفهم ما كان يجري من تبدل في الواقع ، فغمرتها امواجه الهوجاء، وتقهقرت إلى ان زالت من الوجود.

ماذا اعددنا نحن العرب لهذا الانقلاب الكوني؟

طباعة Email