ليس من السهل أن تكون وزيراً للخارجية في زمن مليء بالتعقيدات مثل زماننا الحاضر، فكيف إذا كنت وزيراً للخارجية في منطقة تعتبر مركزاً لهذه التعقيدات، هذه حقيقة عامة، لكنك عندما تكون وزيراً للخارجية في دولة ناجحة، وتبني على نجاحات دولتك، مضيفاً إليها نجاحاتك الشخصية، لكي تتغلب على هذه التعقيدات، وتصنع مكانة متميزة لبلادك في سماء الدبلوماسية العالمية، باقتدار وثقة ومهنية، عندها سيكون اسمك هو «سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة».

فالتحدي اليوم في العلاقات الدولية لم يعد إثبات الوجود، بل إثبات الفاعلية لصالح دولتك، والمهمة الأولى لوزير الخارجية في أي دولة، هي بناء العلاقات واستثمارها لصالح بلاده. ومن يتابع أنشطة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وطريقة إدارته للدبلوماسية الإماراتية، يستطيع أن يلحظ فاعلية متميزة وديناميكية عالية في حماية مصالح الدولة دبلوماسياً، وإحداث التأثير المطلوب بما يخدم هذه المصالح.

وكما أكد سموه قبل أيام، خلال ترؤسه الاجتماع الأول لمجلس أمناء أكاديمية الإمارات الدبلوماسية، فإن البحث عن التميز الدائم، وضع على عاتق دبلوماسيينا مسؤوليات جديدة لمتابعة الارتقاء بالعمل الدبلوماسي، ومواكبة طموحات القيادة التي لا تقف عند ما تحقق، بل تحث بشكل دائم على التفكير بكل ما هو مبتكر، ويصب في خدمة الأهداف الوطنية لدولة الإمارات، التي تنتهج سياسة خارجية تحظى بتقدير واحترام المجتمع الدولي.

من هذا المنطلق، نستطيع أن نفهم السر وراء ديناميكية سمو الشيخ عبد الله بن زايد وفريق عمله، وبالتالي، قدرتهم على تحقيق ما حققوه من نجاحات. خذ مثلاً، النجاح الأخير المتمثل في إعفاء مواطني الدولة من تأشيرة الشنغن الأوروبية، فقد عملت الخارجية الإماراتية، وبمتابعة حثيثة من سمو الوزير، على دراسة هذا الملف، والسعي وراء تحقيق الهدف المنشود على كافة المستويات، بدءاً بالمفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي، وانتهاء بالعمل المباشر مع وزارات خارجية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي كلاً على حدة.

ومثل هذا الإنجاز الضخم، لم يكن ليتحقق لولا قوة العزيمة والإصرار على خدمة المواطن الإماراتي، محور السياسة الإماراتية داخلياً وخارجياً. ولكن إنجازات سموه لم تبدأ هنا، فلا يجوز أن ننسى أننا نتحدث عن الوزير الذي كاد أن يزور كل دولة في العالم، لكي يضمن لعاصمتنا الحبيبة أبوظبي، أن تفوز باستضافة المقر الدائم للوكالة الدولية للطاقة المتجددة إيرينا عام 2009، قبل أن يكرر النجاح نفسه في نهاية 2013، مع فوز دبي باستضافة المعرض الدولي إكسبو 2020، ثم نجاح العام الماضي باستضافة المؤتمر الدولي للطاقة عام 2019 في أبوظبي.

وإذا كانت الدبلوماسية الإماراتية ترتكز إلى أسس أخلاقية متينة، لا تغفل المصالح الوطنية ومرونة السياسة، فقد أضاف لها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نكهة مختلفة، من خلال ربطها بمنظومة التميز الإماراتية، فإذا كانت دولتك تعمل ابتداء على أساس أن تكون الأول، إذن، ما الذي يمنع أن تكون دبلوماسيتك هي أيضاً قائمة على نفس هذا المستوى من التميز. لعل هذا ما يشرح لنا مثلاً الجولة الناجحة التي قام بها سموه في الأسابيع الأخيرة على دول شرق ووسط أفريقيا، مثلما يشرح لنا جولة سابقة له إلى دول أميركا اللاتينية والوسطى.

فإذا كان جوهر عمل وزير الخارجية هو بناء العلاقات وتطويرها، فإنك لا تبني العلاقات الجديدة مع من ترتبط بهم أصلاً، وإنما مع من لم ترتبط بهم بعد. إن هذا يمثل نوعاً من الريادة الدبلوماسية التي تخدم الأهداف البعيدة للدولة سياسياً واقتصادياً وتنموياً.

وثمة مجال آخر يبرز فيه نجم قبطان الدبلوماسية الإماراتية، ألا وهو مجال مكافحة الإرهاب، فإضافة لحضوره الدائم على المستوى الدولي لتمثيل الدولة في أي أنشطة دولية تتصدى لهذه الآفة القاتلة، فإن مبادراته في هذه السياق، تعطي زخماً مهماً لدور الدولة في الجهود العالمية لاجتثاث الإرهاب. فالشيخ عبد الله لم يكتف عندما تعلق الأمر بالقرصنة البحرية في القرن الأفريقي، وهي من أنواع الإرهاب، ببيانات الإدانة، بل سارع للدعوة إلى مؤتمر دولي هنا في الإمارات، لدراسة هذه الظاهرة، وتعتبر توصيات هذا المؤتمر اليوم من أهم الأسباب التي أدت للنجاح في القضاء على هذه الظاهرة.

وكانت الدولة من أول من بادر لاستضافة أكثر من مؤتمر دولي للتعامل مع الإرهاب، وغسيل الأموال، ودعت للتنسيق الفاعل بين الأطراف المختلفة.

ويعتبر سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، من أكثر المسؤولين العالميين تحذيراً من خطر الإرهاب، والداعين إلى اجتثاثه والقضاء عليه، وخلال كلمته أمام الدورة الـ 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر 2014، أكد سموه «أن الإرهاب، إلى جانب كونه انتهاكاً لحقوق الإنسان، فهو يهدد كيان الدول وقيمها، ويمزق أنسجتها الاجتماعية، ويسلب أمن شعوبها، ويدمر إنجازاتها التنموية وإرثها الإنساني والحضاري».

مضيفاً سموه: إن ما تقوم به هذه التنظيمات الإرهابية من قتل عشوائي وإعدام جماعي واختطاف وترويع للآمنين الأبرياء من النساء والأطفال، ما هي إلا أعمال إجرامية بشعة، تدينها دولة الإمارات العربية المتحدة بشدة، وتستنكر الأساليب الوحشية التي تنتهجها باسم الدين الإسلامي، وهو بريء منها، والتي تخالف نهج الوسطية في الدين والتعايش السلمي بين الشعوب كافة.

ودعا سموه، في ظل الأحداث الراهنة التي تمر بها المنطقة، المجتمع الدولي والدول الأعضاء، إلى التعاون للتصدي لهذه الجماعات الإرهابية، واتخاذ تدابير شاملة لمحاربتها، من خلال استراتيجية واضحة وموحدة، وألا تقتصر هذه الجهود على العراق وسوريا فحسب، بل يجب أن تشمل مواقع الجماعات الإرهابية أينما كانت، منوهاً بأن التدرج في اتخاذ التدابير لن يعالج هذه التحديات، بل يتعين مضاعفة الجهود للتصدي لها بشكل فوري وفعال.

لكن جهود سمو وزير الخارجية في هذا المجال، لم تقتصر على المحافل الدولية، بل تجاوزتها إلى المبادرات الفاعلة والإيجابية لتحصين جبهاتنا الداخلية كمسلمين وعرب ضد الإرهاب، وطروحاته ومسبباته من التنظيمات المتطرفة والمتاجرة بالدين.

لذلك، وجدنا مبادرات من نوعية منتدى مجتمع السلم ومجلس حكماء المسلمين، برعاية كريمة من سموه، والتي نؤمل أن تسهم في صد غلواء المغالين والمتطرفين.

وثمة جانب آخر في نجاحات الشيخ عبد الله، يتناسب مع شهر رمضان الفضيل، الذي نتفيأ ظلاله هذه الأيام. فمن يتابع وسائل الإعلام، يكاد يظن أن سفارات الدولة في الخارج تحولت إلى جمعيات خيرية، فمن إفطارات رمضان الخيرية، إلى رعاية الأيتام، إلى تسهيل عمل فروع الهلال الأحمر الإماراتي والجمعيات الخيرية الإماراتية، وغير ذلك من أوجه «دبلوماسية الخير»، التي نجح سموه في جعلها مرادفاً طبيعياً لدبلوماسية الإمارات.

ولكن دبلوماسية الخير هذه لا بد أن تلقى الصدود من بعض الذين لا يرون في الدنيا إلا سواد نفوسهم، كما حصل قبل أيام عند استهداف موكب إغاثي إماراتي في العاصمة الصومالية مقديشو، بحجة أن الإمارات تدعم الشعب الصومالي واستقراره، ويعتقدون واهمين أنهم يخيفوننا، لكنهم واهمون ومفلسون. واهمون لأن الإرهاب أوهن من بيت العنكبوت، ولن يخيف أبناءنا ممن امتلأت قلوبهم إيماناً بالله الواحد الأحد، ومفلسون، لأن الناس البسطاء يعرفون من يقف معهم في ظلمة الليل، ومن يرسل المتفجرات لتقتلهم!

والحمد لله رب العالمين، أن جعل دبلوماسية الإمارات تستحق لقب دبلوماسية الخير بامتياز.