عن الهوية الحضارية والشخصية الإنسانية

ت + ت - الحجم الطبيعي

تمر الأمم، كالأشخاص، بدورات الحياة كاملة، من الطفولة والشباب إلى الكهولة والشيخوخة، غير أن طفولتها ميلاد سياسي، وشبابها نماء حضاري، وكهولتها نضج قومي، فيما شيخوختها تدهور في القوة والمدنية معاً، لا ينتهي بالموت كآحاد الناس، بل بانبعاث جديد، فبينما الأفراد يفنون دون انبعاث جديد داخل هذا العالم، تبقى الأمم قادرة على الانبعاث مرة ومرات، في دورات حضارية وحلقات تاريخية.

في طفولتها تكون الأمم بريئة مثل طفل، ترغب في التعلم من المحيطين بها دون أحقاد عليهم، أو عقد تنمو نحوهم، بل ومن دون حرج تستشعره في أعماقها، فالآخرون بالنسبة لها معلمون ورواد، آباء كانوا أو غرباء.

وفي شبابها، تكون مثل رجل يانع قادر على الحب ومفعم بالأمل، منفتحة على غيرها من الأمم، دون خشية أو فزع، فالعالم لديها أجمل والمستقبل أرحب.

أما في كهولتها، فتصبح مثل رجل يدرك أن أجمل أيامه صارت خلفه، فلم يعد قادراً على التطلع إلى جديد، فلا شهوة المعرفة باقية، ولا دهشة التساؤل قائمة.

وعندما تصل الأمم إلى الشيخوخة، تصير كالشيخ، إذ تيبست قوته العضلية، وشاب القصور ملكاته الذهنية، فتراجعت إرادته الحرة الطلقة، فأخذ يهرب من الناس والزمان حنيناً إلى شبابه وماضيه.

مثلاً قد تكون إحدى الحقب الزمنية الثلاثة الأساسية (العصر القديم) بمثابة زمن فردوسي لدى أمة في الشرق الأدنى القديم كمصر الفرعونية أو بابل السومرية، فيما هو زمن بدائي لدى أمة أخرى في شمال أوروبا التي كانت بربرية، أو غرب الأطلنطي حيث القارتان الأميركيتان التي لم يكن تاريخهما القديم يمثل للعالم أو للإنسانية شيئاً يذكر رغم وجود أجناس كانت تحيا بهما، ومدنية كانت وليدة تنمو فيهما.

كما تقع الحقبة الثانية (العصر الوسيط) على أذن السامع وقعاً يبلغ درجة التناقض. ففي السياق العربي الإسلامي تعكس تلك العصور موجة إشعاع حضاري..

ومرحلة سطوع سياسي على أرضية توسع إمبراطوري، وحالة تطور ثقافي على قاعدة رؤى وجودية رائقة أتت بها عقيدة التوحيد الإسلامي في صورتها التنزيهية. أما في السياق الأوروبي المسيحي، فلا يعدو أن يكون زمن انحطاط حضاري على قاعدة تدهور سياسي للإمبراطورية الرومانية..

وانهيار عسكري أمام القبائل الجرمانية، وتفتت شامل للوعي الثقافي اليوناني ـ اللاتيني، حيث كانت كل مجالات الحياة تسير إلى أفول وتلاشٍ، اللهم سوى بنية إقطاعية أخذت تنمو بالتحالف مع إدراك معين للمسيحية رعته الكنيسة، كي تُخضع شعوبها إلى تصور مغترب عن الإنسان وإحساس بليد بالزمان.

وأما (العصر الحديث) فيبلغ درجة التناقض نفسها ولكن في الاتجاه النقيض. فمن وجهة النظر الأوروبية التي صارت غربية، نجده زمن الكشوف الجغرافية وبزوغ العالم الجديد في الأميركتين. وهو عصر النهضة الذي بدأ بإحياء الموروث اليوناني الأدبي والفلسفي..

وانتهى بتفكيك الإقطاع القروسطوي وبنيته النفسية التي جعلت الإنسان مقهوراً ومغترباً في العالم، ليولد على أنقاضه إنسان جديد تواق إلى التحرر يشبه اليوناني القديم في أساطيره المؤسسة التي اندفع خلالها إلى تحدي الآلهة بحثاً عن فرادته واستقلاله! وهو عصر الثورة العلمية، حيث ساد منطق جديد للمعرفة قوامه التجريب، وعلاقة جديدة مع الطبيعة قوامها الكشف والتوظيف. وهو عصر الثورات الكبرى التي كرست الديمقراطية الليبرالية..

وأنتجت المذهب الإنساني، ليصبح الفرد غاية كبرى للدولة، بعدما كان مجرد ذرة بشرية ضائعة في إقطاعية تنضوي تحت إبط إمبراطورية، يحكمها الأباطرة والقياصرة بحق إلهي مقدس، ورثته الدولة التنين، الحديثة ولكن المستبدة، وحاولت أن تصبغه بصبغتها الدنيوية، قبل أن تنتزعه منها الدولة الديمقراطية الحديثة التي صارت، بحق، ملكوت الإنسان الحر.

في المقابل، ومن وجهة النظر العربية، يحمل هذا العصر كل معالم السلبية، فالكشوف الجغرافية الغربية، لا تعنى للعرب سوى حصار شواطئهم، وقطع طرق تجارتهم، وتدهور حواضرهم الكبرى، ناهيك عن سقوط أندلسهم، موطئ قدمهم على الشاطئ الشمالي، ودليل هيمنتهم على العالم الأوروبي. أما عصر النهضة فليس إلا عصر الهيمنة العثمانية عليهم..

وما تبعه من سيطرة إقطاع رعوي جديد أخذ يكمل دور الإقطاع التتري القديم معطلاً انطلاقة العرب الجديدة ثلاثة قرون أخرى على الأقل. وأما الثورة العلمية فلم يضاهها لدى العرب إلا تراجع واضح في قيمة الموروث العلمي الذي كانوا راكموه على قاعدة المنهج الاستنباطي التقليدي، المؤسس على المنطق الصوري الأرسطي..

وعجز بالغ عن ملامسة المنهج العلمي التجريبي، المؤسس على المنطق الجدلي الجديد، حتى بدا العرب عيالاً على الغرب، غرباء في دنيا الحضارة. وأما الثورات السياسية الكبرى فلم يعرفها تاريخنا عبر قرون أربعة، ولم نبلغها إلا في القرن العشرين، والحقبة الحديثة تقترب من الأفول، تاركة موقعها في الزمان للحقبة المعاصرة..

لذا استمر تخلف العرب السياسي المفعم بالاستبداد، حتى صاروا على صعيد الحرية محض استثناء عالمي، وحتى عندما هبت العاصفة الأخيرة، التي أملها الحالمون ربيعاً للحرية، سرعان ما جعلها المهجوسون بالهوية، المتعصبون للماضي خريفاً للعقلانية ومأزقاً للشخصية العربية، وكأنها، مثل جهامة الشيخوخة، لا يتسع صدرها لمرح الطفولة.

 

طباعة Email