صدر قبل بضعة أيام تقريران مهمان يلقيان الضوء على ما يمكن اعتباره أبرز ظاهرة على المستوى الدولي لعام 2014 وهي ظاهرة النزوح بسبب الحروب الداخلية والإرهاب. التقرير الأول صدر عن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بمناسبة اليوم العالمي للاجئ المصادف للعشرين من يونيو الجاري، والثاني هو التقرير السنوي عن الإرهاب الذي يصدر عن وزارة الخارجية الأميركية.

التقرير الأول يوثق الأرقام والتحليلات الخاصة بالنزوح داخل 60 بلداً وإقليماً نتيجة الصراعات المسلحة وانتشار أعمال العنف، حيث وصل عدد النازحين واللاجئين في العالم عام 2014 إلى رقم قياسي «ستون مليون شخص». أما التقرير الثاني فيوثق الزيادة في العمليات الإرهابية في عموم العالم، حيث ارتفع عددها بمقدار ثمانين في المئة ووصل عدد الذين قتلوا عام 2014 إلى نحو 33 ألف شخص.

التقريران يكملان بعضهما، فظاهرتا الاقتتال الداخلي والإرهاب تقفان وراء هذا النزوح الكبير في عدد من دول الشرق الأوسط وإفريقيا.

هذا العدد الضخم جداً من النازحين واللاجئين هو الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية وهو يعكس حجم التجاوزات على الإنسان وعلى حقوقه، وهو إذ يكشف عن عجز المجتمع الدولي عن مواجهة تداعيات هذا النزوح الكبير..

وهو ما اعترفت به المفوضية صراحة يكشف في الوقت نفسه وبشكل صارخ عن عدم وجود استراتيجية أممية للتعامل مع هذه الظاهرة، على الرغم من أنها لم تكن وليدة عام 2014 أو العام الذي قبله. فقد فشل المجتمع الدولي في منع حصول الصراعات والحروب الداخلية من جهة وفشل في وضع استراتيجية فاعلة للتصدي لظاهرة الإرهاب والقضاء عليها من جهة أخرى.

شهد العالم منذ أصدرت منظمة الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1949 تطوراً مذهلاً في العلوم والتكنولوجيا والطب، أحدث نقلة نوعية في حياة الإنسان أفراداً ومجتمعات، إلا أنه من جانب آخر لم يصاحب هذا التطور ما يماثله على المستويين القيمي والإنساني..

إذ لا تزال حقوق الإنسان تنتهك بشكل صارخ في عدد كبير من الدول على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي لأسباب عرقية أو دينية أو مذهبية أو سياسية وهو لا يمتلك إزاءها غير الشجب والتنديد إذ ليس لدى هذا المجتمع وسائل تنفيذية لمنع نشوب الاقتتالات الداخلية..

وليس بإمرته قوات للتدخل الفوري لتطويقها عند نشوبها واجتثاث مسبباتها أفراداً أو منظمات أو حكومات. لسنا بصدد الخوض في حجم المعاناة التي ترافق عملية النزوح وتداعياتها المعيشية والمجتمعية والنفسية، فهي كبيرة جداً، إذ ليس هناك أصعب على الإنسان من ترك وطنه مرغماً، سواء كان هذا الوطن منزلاً أو قرية أو مدينة أو دولة. النازحون إلى دول الجوار غرباء في البيئة الجديدة يختلف التعامل معهم حسب طبيعة المناخ السياسي في تلك الدول ..

وحسب طول مدة النزوح. من جانب آخر قد يجد النازحون إلى مناطق أخرى داخل بلدانهم الذين وصل عددهم لعام 2014 ثمانية وثلاثين مليوناً حسب ما صدر عن مركز رصد النزوح الداخلي في السابع من مايو المنصرم، من سوء المعاملة والإهمال ما لم يجده النازحون إلى دول أخرى.

ظاهرة اللجوء والنزوح ليست جديدة إلا أنها بقيت ذات طابع فردي على مدى عشرات السنين، فهناك لاجئون من إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية في الدول الغربية حصل معظمهم على جنسية هذه الدول، معظم هؤلاء نشطاء سياسيون معارضون للأنظمة السياسية في بلدانهم حيث تنعدم وسائل تقبل المعارضة.

التقريران حول المعاناة التي يتعرض لها أناس مدنيون في أغلب الأحيان ليس لهم دور في صناعة المحنة التي هم فيها، وليس من شك بأن الأسباب التي تكمن وراءها مهما تباينت فهي في جوهرها ذات طابع سياسي يقع على عاتق المنظمات الدولية مسؤولية إيجاد حلول ناجعة وسريعة وجذرية لمعالجتها.

في ضوء اتساع المساحات التي يسيطر عليها تنظيم داعش في عدد من الدول ومع تصاعد وتائر الاقتتال في العراق وسوريا واليمن وليبيا من المتوقع أن يشهد عام 2015 عدداً أكبر من النازحين ويصبح التصدي لهذه المشكلة أكثر صعوبة أمام المجتمع الدولي.

من هذا المنظور يصبح لزاماً على الدول الكبرى التي تمتلك سلطة صنع القرارات في المنظمات الدولية أن تسارع لوضع استراتيجية تستند إلى وسائل وأساليب فعالة للقضاء على مسببات هذه الظاهرة. إذ لا ينبغي أن تقتصر المعالجة على جمع التبرعات النقدية والعينية لمواجهة حاجات النازحين بل تتجاوز ذلك إلى العمل على إعادتهم إلى بلدانهم عن طريق إزالة الأسباب التي دفعتهم لهذا النزوح.

ربما يكون من الضروري أن تعيد الأمم المتحدة النظر بمهام ذوي القبعات الزرق التي اعتادت إرسالهم إلى مناطق النزاعات كقوات لحفظ السلم لتجعل منهم قوة قادرة ليس على الفصل بين الفصائل المتقاتلة فحسب، بل قوة قادرة على حسم الصراعات.