يأتي رمضان وتأتي معه نفحات الخير بنسماتها العطرة لتستقبلها نفوس جبلت على الخير، ولأن الإمارات قيادة وشعباً يعرفون كيف يحددون مساراتهم، ولأنهم تمرسوا على السير في طريق البناء لا الهدم، العطاء لا المنع، الإيثار لا الشح، التراحم لا التباغض، اللين لا البطش، وآخر هذه النسائم التي هبت مع نسمات شهر الصوم والعطاء مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، «مبادرة الإمارات لصلة الأيتام والقصر»، مؤكداً: «أن مجتمعنا الإماراتي نموذج عالمي للتراحم والتماسك والتآلف بين جميع فئات المجتمع، وهذه ميزة بارزة نابعة من تمسكنا بسماحة الدين الإسلامي الذي يحضنا على التراحم وارتباطنا الوثيق بعاداتنا الوطنية والعربية العريقة، إننا نريد للجميع في مجتمع الإمارات أن يكونوا جزءاً من عملية البناء المستمر للوطن، ولهذا نحرص دائماً على تقديم الدعم لجميع الفئات، بما فيها فئة الأيتام والقصر».

يقول الصالحون: «إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك، فانظر فيما أقامك».

فأصحاب النفوس الطيبة والهمم العالية يبحثون دائماً عن بذر الخير في قلوب من حولهم، لتصبح أشجاراً جذورها في قلوبهم، وفروعها تتسامى بسمو تلك القيم التي تنتشر بين الناس، لتوسع من نفوسهم وتجعلها رحبة، وتتشابك أيديهم، وليصبحوا على قلب رجل واحد. إن نفوس البشر جبلت على الخير، غير أنها تحتاج بين الحين والآخر إلى إيقاظه وتجديده وفتح آفاق للسير فيه، والله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل: «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا»، ولا شك أن مبادرة سموه هي نداء لشعب أن حي على العطاء، ولتكن الانطلاقة من شهر القرآن لمسح دمعة اليتيم وتضميد آلام القصر،وهذه المبادرة في تقديري هي تدريب عملي على العطاء، وتطبيق لقيم قد يكون للفرد اتجاه إيجابي نحوها.

إن هذه المبادرة الكريمة، وإن كانت تُدخل السعادة على قلوب الأيتام والقصر، غير أنها تدخل مزيداً من السعادة على المشاركين فيها، لأنها ترسخ لديهم شعوراً نفسياً بقيمة ما يصنعونه، وهو ما يزيد من تقديرهم لذواتهم، وهو الأمر الذي ينعكس على علاقتهم بمحيطهم الأسري والاجتماعي، كما أنها تمثل حالة من إعادة التأهيل النفسي للأيتام والقصر، ليصبحوا أشخاصاً مفيدين لمجتمعهم قادرين على المشاركة والعطاء.

كما أن هذه المبادرة فريدة ليس في اسمها فحسب، ولكن في آليات تنفيذها وعلميتها الشديدة التي تنتقل من التعامل مع الأيتام، ليس من منطلق العطف والإحسان فحسب، غير أن مبادرة سموه تتدرج في التعامل مع احتياجات الأيتام والقصر حتى نصل بهم إلى تكوين شخصياتهم بطريقة سوية، فضلاً عن إتاحة المجال لكل منهم للتعبير عن مهاراتهم وإبداعاتهم، لتكون هذه الطاقات رصيداً نوعياً إضافياً للمجتمع، حيث إنها تعاملت مع اليتيم وفق هرم الاحتياجات الإنسانية الذي يبدأ بالاحتياجات الأساسية من الرعاية، ثم الانتقال إلى الاحتياجات الاجتماعية التي تشمل إحساس اليتيم أو القاصر بأنه ينتمي إلى مجموعة إنسانية، أو أنه غصن في شجرة كبيرة، وهو ما ينعكس على إحساسه بالأمان النفسي، ثم الانتقال إلى تقدير من حوله له، وليس عطفهم وكفى، وهو ما يزيد من تقديره لذاته، ويعمق من ثقته بقدرته على العطاء والإنجاز، ثم الانتقال من مرحلة المشاركة إلى مرحلة تحقيق الذات.

واللافت أنها اعتمدت في جانب كبير منها على الشباب، حيث أتاحت المبادرة خيارات عدة للعطاء، منها السماح للمواطنين الشباب القدوة بالارتباط كإخوة بالأيتام والقصر، لتقديم النصح والإرشاد لهم، وفق نظام واضح يتضمن اختيار الأخوة ومعايير الأنشطة ومدة الارتباط، ويوفر الخيار الثاني آلية تسمح للمواطنين الشباب القدوة بتوفير الرعاية الدراسية للأيتام والقصر لعدد من الساعات في المدرسة التي يدرسون فيها، ما يتيح الفرصة للتطوع وقتاً أقل. طوبى لمن بذر الخير، وطوبى لمن بذل الخير، وطوبى لأبناء وطن يجعلون من الخير طريقهم ومبتغاهم.