تعيش وتفتكر

ت + ت - الحجم الطبيعي

ذهبنا في اليوم الأخير من شعبان إلى السفير الروسي لتقديم واجب العزاء في الدكتورة فاليريا كيربتشنكو. رحلت عن عالمنا. ولا أعرف من صاحب الفكرة، لكن شريف جاد مدير المركز الثقافي الروسي اتصل بي، وقال لي إن هذا ممكن بعد عودة السفير من موسكو، حيث سافر ليحضر مراسم دفنها ويتلقى العزاء فيها، وبعد عودته نذهب إليه.

ثم عاود الاتصال ليقول لي إننا سنتناول العشاء على مائدة السفير. استغربت، فالعزاء هو العزاء. قال السفير إنه عرف من والدته ومن قراءاته للأعمال الروائية التي ترجمتها لروائيين مصريين أن من يذهبون لتقديم العزاء يقدم لهم الطعام، لأنهم جاؤوا من أماكن بعيدة. وفى القرى المصرية لا توجد أماكن عامة لتقديم الطعام، لذلك يتصرف كما لو كان من الريف المصري.

كنت أتصور أن الحزن الشديد على الميت حالة مصرية، ربما لا وجود لها في بلدان أخرى من العالم، ولكني رأيت السفير الروسي في القاهرة أليكسي كيربتشنكو حزيناً كما لم أر حزناً يلف إنساناً من قبل. كان جالساً وسطنا، ومع هذا كان يتجول بين ذكرياته التي تراوح بين والده ووالدته. ويتكلم بتأثر شديد ربما لا يتناسب مع كونه سفيراً، ولكن الإنسان هو الإنسان، سفير أم غفير، يكفي أنه الإنسان.

حكى باستغراب يصل إلى حدود الذهول أن والده فاديم كيربتشنكو كان هو المترجم الذي ترجم لقاء عبد الناصر بخروشوف في أوائل ستينيات القرن الماضي، وأن نجله – نجل السفير – فاديم كيربتشنكو هو الذي تولى الترجمة في اللقاءات التي جمعت بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبين هذين المشهدين مضت عقود من حياته.

كان ينتقل من ذكرى إلى ذكرى، لا يربط بينهما سوى حالة الحزن التي ربما تصل إلى حدود الشجن على فراق والدته. قال إن الوالدة عندما كانت تعد رسالتها للدكتوراه عن يوسف إدريس، لم تكن موجودة في مصر، كان زوجها - والد السفير – موجوداً في القاهرة، ولذلك لجأ إلى يوسف إدريس لكي يسجل له قصة حياته بصوته على شرائط قديمة تتناسب مع نهايات خمسينيات القرن الماضي وأوائل الستينيات، وكان يرسلها إلى موسكو لتستعين بها في رسالتها عن يوسف إدريس.

ولأن يوسف إدريس كان يتكلم بحريته كما تعودناه غير مقيم أي حسابات عند الاقتراب من فكرة الصراحة المطلقة، فقد ذكر أسراراً عن حياته ربما لا يعرفها أحد من الناس. الدكتور إيمان يحيي، الطبيب والأستاذ الجامعي والناشط السياسي الذي يترجم الآن كتاب فاليريا كيربتشنكو عن يوسف إدريس، وأوشك على الانتهاء منه، قال إن الأسرار التي فوجئ بها في الكتاب كانت مثيرة بالنسبة إليه.

ينبهني محمد المخزنجي إلى أن الأسرار ليست للنشر، ولم أكن سعيداً بتنبيهه، فأنا لم أجلس معهم باعتباري صحفياً، وأنا أكتب هذا الكلام الآن لمجرد رغبتي في ألا يضيع ما قلناه في هذا اللقاء المهم، خصوصاً أن اللقاء لم يكن مسجلاً ولا مصوراً، وكان لقاء تلقائياً تحدثنا فيه جميعاً عن ذكرياتنا مع الراحلة العظيمة فاليريا كيربتشنكو.

تحدث بهاء طاهر عن علاقته بها، وزيارتها له في منزله، وترجمتها قصة «الخطوبة» له، لتكون ضمن مجموعة قصصية لكتّاب من مصر، ثم وصل إلى ترجمتها لروايته «الحب في المنفى»، والمشكلات التي حالت دون نشرها بسبب ضغوط اللوبي الصهيوني بموسكو، بعد أن انتهى الاتحاد السوفييتي وخرجت إلى الوجود روسيا الحالية. ولولا جهود الدكتور علي غالب الذي كان يعمل مستشاراً ثقافياً مصرياً في موسكو في ذلك الوقت، ودعمه لصدور الترجمة، ما كانت قد صدرت.

كنت قد انطلقت للقاء من مدينة نصر بصحبة صديقي أنور إبراهيم، وكنا ضيوفاً على علي غالب في مدينة المبعوثين بالقرب منا، ولأنه كان اليوم الأخير من شعبان، فقد بدأنا الرحلة من مدينة نصر في السادسة مساءً، لكي نصل إلى بيت السفير في الدقي في الثامنة، أي بعد ساعتين في الطريق.

تبادل علي غالب وأنور إبراهيم حكايتهما مع فاليريا، فقد تصادف وجودهما في موسكو معاً. أما عماد أبو غازي فقد حكى أكثر من لقاء جمعه بها، سواء عندما جاءت إلى مؤتمر في جامعة القاهرة، أو عندما ترددت أكثر من مرة على المجلس الأعلى للثقافة في مؤتمراته في فترة أمانة عماد للمجلس.

الدكتور فتحي طوغان، نائب رئيس جمعية الدارسين في جامعات روسيا – الاتحاد السوفييتي سابقاً – قال إنه لم يسبق له اللقاء بها، وإن كان يشعر بأثرها مما سمعه من الحاضرين الذين كان لهم حظ لقائها، وأبدى استعداده لكي تسهم الجمعية في أي احتفالات بذكرى فاليريا.

السفير قال متأثراً جداً إننا في الحادي عشر من يناير المقبل سنلتقي مرة أخرى، لأنه يوافق عيد ميلادها السادس والثمانين، وإنه يرجو أن يكون هذا تقليداً نحافظ عليه بقدر الإمكان، أما بالنسبة إلى تخليدها فالاقتراحات كثيرة، منها عمل ندوة عنها، وإصدار كتاب عن جهدها، وعمل مسابقة باسمها للترجمة بين اللغتين العربية والروسية، ولكن السفير كان يرى أنه يكفي أن نتذكرها.

عندما كانت تحدث لي وفاة، كانت فاليريا تتصل بي من موسكو، وكانت تقول: «تعيش وتفتكر»، ثم تردف: «وتكون آخر الأحزان». وعندما تسمعها لا تتصور أبداً أنها غير مصرية، فقد تمصرت أكثر من المصريين أنفسهم، أصبحت مصرية.

طباعة Email