لله دره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، فلا يزال سموه، قائداً وإنساناً، حريصاً ما استطاع على أن يستخرج من الإنسان الإماراتي أفضل ما حباه الله به من صفات. وها هو من جديد يخاطب ضمائرنا ليثبت مرة أخرى أنه ضمير أمتنا هذه وحاديها إلى الخير والتآلف والتراحم.
ترى ذلك في إدارته للحكومة، وقيادته للفرسان، وتحفيزه لرجال الأعمال، وتشجيعه للشباب والطلبة، وإسعاده للإنسان. ثم تراه بعد ذلك، وقبله، في مبادرات سموه الرمضانية التي ما فتئت تجمعنا على عمل الخير في شهر الخير والبركات بما يعلي من قيمة هذه الصفة الإماراتية الأصيلة ويحفزنا جميعاً، شيباً وشباناً، على البذل والعطاء سعياً لمرضاة الله سبحانه وتعالى، ثم برَّاً بمن نصح لنا بالخير وأراد لنا أن يكون الخيرُ عنواننا الذي نعرف به.
في رمضان الماضي كنا دعونا لصاحب السمو نائب رئيس الدولة، رعاه الله، بأن يسقيه المولى عز وجل من نهر الكوثر حين أطلق، بارك الله في جهده وعمله، مبادرته الفريدة «سقيا الإمارات»، وها هي المبادرة أصبحت اليوم مؤسسة رسمية من مؤسسات دبي تنضم إلى غيرها من مؤسسات العطاء الخيّر في إمارة الخير حاملة رسالتنا العالمية إلى العالم أجمع.
وها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يختار الجمعة الأولى من الشهر الفضيل ليطلق لنا وفينا وبيننا وبين أنفسنا تحدياً أخلاقياً أصيلاً وعميقاً ذا نكهة رمضانية محببة للنفس، ألا وهو مبادرة سموه تحت عنوان «مبادرة الإمارات لصلة الأيتام والقصَّر». أقول يتحدانا لأن المبادرة ترتقي بنا إلى مستوى مختلف من الريادة الأخلاقية يتجاوز جزئية كم من المال تستطيع أن تنفق على يتيم إلى ما هو أعمق وأشمل من حيث كم تستطيع أنت أن تشعر وأنت تتواصل مع اليتيم وتشعره أنه أخ لك وصديق وجزء من عائلتك.
وأنا أقرأ تفاصيل مبادرة الإمارات لصلة الأيتام والقصَّر التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، لم أتمالك نفسي من قشعريرة أصابت بدني وأنا أقول هامساً: ماذا فعلت بنا يا صاحب السمو؟ الناس في مجتمعاتنا المحلية والعربية والمسلمة اعتادت أن تنظر إلى مسألة كفالة اليتيم في شقها المادي المتصل بالإنفاق المالي حتى أن كثيرين لم تعد تعني لهم كفالة اليتيم أكثر من توقيع نموذج مالي لدى إحدى الجمعيات الخيرية.
وأنت يا سيدي تقفز بنا قفزة نوعية من خلال برنامج متعدد المستويات يشرك الشباب، ويشرك الموظفين والعائلات وحتى الإدارات العامة في تآلف وطني فريد يحفظ لليتيم كرامته ويُشركه في التواجد المجتمعي والطموحات الحياتية المختلفة.
تأملوا هذه التفاصيل في برنامج الأفراد مثلاً:
حيث تتضمن مبادرة الإمارات لصلة الأيتام والقصَّر ثلاثة خيارات للأفراد، يتيح أولها آلية تسمح للمواطنين «الشباب القدوة» بالتآخي مع أحد الأيتام والقصَّر لتقديم النصح والإرشاد لهم، بينما يوفر الخيار الثاني آلية تسمح للمواطنين الشباب القدوة بتوفير الرعاية الدراسية للأيتام والقصَّر لعدد من الساعات في المدرسة التي يدرسون بها. أما الخيار الثالث فيوفر آلية تسمح لمجموعات من المواطنين الشباب القدوة ذوي الاهتمام المشترك «مثل ركوب الدراجات والسباحة وغيرها من الهوايات» أن يتآخوا مع مجموعة من الأيتام والقصَّر لهم ذات الاهتمام المشترك ما يوفر لهم جواً محفزاً لتنمية مواهبهم وهواياتهم.
لاحظوا أننا هنا نتحدث عن شباب في سن الدراسة وهم غالباً لا تشملهم برامج التثقيف حول رعاية الأيتام، بينما يقدم لهم صاحب السمو نائب رئيس الدولة اليوم فرصة ذهبية لكي يبدعوا في التآخي مع الأيتام والقٌصَّر وتقديم الدعم المعنوي والنفسي لهم.
وهناك على المنوال نفسه ثلاثة خيارات للعائلات المواطنة الراغبة في صلة الأيتام والقُصَّر، تتراوح بين استقبالهم في المنزل بشكل دوري، والتلاقي ضمن مجموعة من العائلات في جو أسري للتطوع بنوع من الرعاية العائلية، وتبرع المسنين بدور الجد، هذا بالإضافة لأكاديمية الأيتام والقصَّر التي تقدم ستة برامج تدريبية وتطويرية بمشاركة فئات مهنية مختلفة بهدف الرقي بإمكانيات الأيتام والقُصَّر وتوفير احتياجات تقدير الذات والإنجاز وتطوير القدرات الشخصية.
ما الذي يقوله لنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، من خلال هذه المبادرة؟ هل تتذكرون الشعار التنموي الذي ترفعه كثير من الدول ونصه: No child left behind ويقصد به عدم السماح بتخلف أي طفل عن الالتحاق بالمدرسة.
حسناً، نحن في الإمارات وبحمد الله وفضله ثم برعاية شيوخنا الميامين تجاوزنا هذه المرحلة منذ سنين، وها هو صاحب السمو نائب رئيس الدولة يعيد طرح هذا الشعار ولكن بمفهوم مختلف يعني هذه المرة: عدم السماح بتخلف أي طفل عن مستويات التنمية البشرية المتوفرة لبقية أطفال الدولة ولا عن الرعاية الأسرية والاجتماعية، ولا عن مستويات التهيئة الشخصية وتنمية القدرات والإمكانات النفسية والأخلاقية والسلوكية.
عفواً عزيزي القارئ! أنا هنا لا أتحدث عن الأيتام والقُصَّر! وإنما أتحدث عن ابني وابنك الذي يمنحه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم فرصة فريدة من نوعها لكي تتكامل شخصيته الإنسانية ويرتقي سلوكه وتفكيره ويصبح إماراتياً بامتياز يعرف معنى التراحم والتوادّ والتآلف. أتحدث عن أسرتي وأسرتك التي يمنحها سموه فرصة لا تتكرر لكي تثبت أنها أسرة إماراتية عملاً لا قولاً، وممارسة لا ادعاءً من خلال احتضان ابن من أبناء هذا الوطن العزيز ليشعر كم هو عزيز بوطنه.
وكيف لا نكون كذلك وصاحب السمو نائب رئيس الدولة يقول عنّا في تقديمه لهذه المبادرة: «إن مجتمعنا الإماراتي نموذج عالمي للتراحم والتماسك والتآلف بين جميع فئات المجتمع وهذه ميزة بارزة نابعة من تمسكنا بسماحة الدين الإسلامي الذي يحضنا على التراحم وارتباطنا الوثيق بعاداتنا الوطنية والعربية العريقة. هذا الشهر الفضيل يعتبر فرصة سانحة لنا جميعاً لنساهم بجزء بسيط من أوقاتنا لتلبية احتياجات الأيتام والقصَّر وتعزيز دورهم كفئة فاعلة في مسيرتنا نحو التقدم، وأنا واثق أن شعب الإمارات سيعمل بيد واحدة على بناء نموذج يحتذى به عالمياً في مجال رعاية الأيتام والقصَّر».
وبعد، فيا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله... يا سيدي وأنت تطلق مبادرة الإمارات لصلة الأيتام والقُصَّر أدخلتنا في امتحان أخلاقي حقيقي، ولكننا يا سيدي واثقون من النجاح بإذن الله في هذا الامتحان لسبب بسيط وهو أننا تتلمذنا في أعظم مدرسة للعطاء في العصر الحديث مدرسة زايد وراشد وخليفة ومحمد بن راشد ومحمد بن زايد وإخوانهم حكام الإمارات، المدرسة التي تستمد جذورها من مدرسة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ومن يتتلمذ في هذه المدرسة العظيمة سيدرك بكل تأكيد ما هو المطلوب منه في اختيار مبادرة الإمارات لصلة الأيتام والقُصَّر تماماً كما نجحنا في اختبار «سقيا الإمارات» ومن قبلها في اختبار «نور دبي» و«دبي العطاء».
جعلها الله في ميزان حسناتك يا صاحب السمو وجزاك كل خير عن الاثنين: الأيتام والقُصَّر في جانب ومن سيبادرون للتطوع والمشاركة في هذه المبادرة، فما تفعله يا صاحب السمو شأن عظيم لا يصدر إلا عن نفس عظيمة. فجزاك الله الخير وأنت الذي تطلق هذه المبادرة في شهر رمضان المبارك تصديقاً لقول الرسول المصطفى العدنان عليه الصلاة والسلام: ((والذي بعثني بالحق لا يعذب الله يوم القيامة من رحم اليتيم ولانَ له في الكلام ورحم يتمه ُوضعفه)). {رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة}.