تكاد الآفاق الإقليمية «الشرق أوسطية» والدولية تخلوا من أي إشارات أو بشارات للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية.. لا عبر حل الدولتين، الذي يدعي معظم المعنيين إيمانهم به وسعيهم إليه، ولا من خلال أي بدائل تدور بشأنها مناظرات على سبيل العصف الفكري كحل الدولة الواحدة.
مسألة التسوية في بعدها الإسرائيلي الفلسطيني، تمر بحالة من التيه والاستعصاء. والطرف المسؤول عن هذه الحالة معروف ومعلوم الاسم والعنوان. كما أن الحيثيات القانونية والسياسية للحل، سبق أن جرى إعدادها وتجهيزها بجهود التنظيم الدولي ومداخلاته منذ عقود. لكن القوى المهيمنة على قمة النظام الدولي تبدو مغلولة الإرادة والفعل، تجاه استخدام آليات الضبط والإحضار وتطبيق هذه الحيثيات، بحق الطرف العاصي المتمرد والمتنمر، المدعو إسرائيل.
مع ذلك، ثمة من لديهم سعة من الوقت وطاقة الصبر، للتفكير والتناظر حول أي الحلول أكثر نجاعة وقابلية للتطبيق. وبين هؤلاء من ينطلق في اجتهاداته وتأملاته من قناعة، مفادها صعوبة، ولعلها استحالة، مرور حل الدولتين.
مؤخراً نشر باسم غطاس عضو الكنيست الإسرائيلي عن القائمة المشتركة لفلسطينيي 1948، مقالاً طالب فيه بالتخلص من فكرة الدولتين، وتبنى حل الدولة الواحدة، دولة كل مواطنيها، بين النهر والبحر.. ذلك لأن «.. حل الدولتين لفظ أنفاسه بفعل سياسات الاستيطان الإسرائيلية، وموقف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو المجافي لهذا الحل ..».
المدهش أن القائمة النيابية التي ينتمى إليها غطاس، شاركت في انتخابات الكنيست الأخيرة، وفازت بمقاعدها، على أساس برنامج ينادى بحل الدولتين. فكأن الوضع المزري الذي آلت إليه عملية التسوية، واختفاء آمال التفاوض المجدي، ساق البعض مثل غطاس إلى تبنى مواقف ورؤى لا تتوافق وقناعاتهم، وأن يقولوا الشيء وخلافه في وقت واحد!.
مشكلة هؤلاء المؤرقين بتحري سبل السلام والحلول وبدائلها، أنهم يعلقون تعسر التسوية أو تعثرها بذمة صعوبة إقرار حل الدولتين وتطبيقه عملياً. هذا في حين تكمن العلة في أن نخب الحكم والسياسة في إسرائيل، تفتقد مبدأ الاستعداد للمضي في التسوية السلمية أصلاً، بغض النظر عن طبيعة الحلول المعروضة ومحتواها.. سواء تمثلت في حل الدولتين أو الدولة الواحدة أو غيرها من البدائل.
غطاس لم يقدم لنا اكتشافاً جديداً. هناك عشرات غيره من المهتمين، الذين يوقنون بأن فرصة حل الدولتين آخذة في الأفول يوماً تلو الآخر.. لكن ما لا يريد هؤلاء المحبطون الاعتراف به، هو أن العدول عن هذا الحل الفاشل إلى حل الدولة الواحدة، لا يمثل مخرجاً منطقياً أو معقولاً لأزمة التسوية.
الواقع أن كل الحلول المطروحة على بساط البحث، قبل انبعاث صيغة أوسلو وبعدها، لا تنطوي على إبداعية. فحلول من قبيل حل الدولتين أو الدولة الواحدة، بل والحل الداعي إلى استلهام «صيغة البينيلوكس» بين لوكسمبورغ وهولندا وبلجيكا، وتطبيقها على الأردن وفلسطين وإسرائيل، سبق أن كانت موضوعاً لمناقشات معمقة في العواصم والدوائر الفكرية والسياسية المعنية بتسوية الصراع الدامي على أرض فلسطين..
بيد أن كل هذه المناقشات كان مآلها الإحباط، بالنظر إلى استعصام الجانب الصهيوني الإسرائيلي بمنطق القوة، والإسناد الأميركي لهذا المنطق الاستعلائي. تتأمل إسرائيل اليوم في معطيات البيئتين، الإقليمية والدولية من حولها، فتجد أنها بمأمن من الضغوط واحتمال فرض أي مفهوم للتسوية عليها من الخارج.