حالف التوفيق والصواب، الأخ الفاضل د. يوسف الشريف في مقاله المنشور على هذه الصفحات قبل أيام قليلة عن حالة الإعلام المصري، وقد كنت أقرأ كلماته وكأني أسمعه متحدثاً وفي فمه ماء، لحساسية القضية، وربما استشعاراً للحرج من الحديث عن شأن يخص دولة أخرى، ولكن كلماته كانت في الصميم، وتأتي متناغمة مع كثير مما يطرح عن هذه القضية على الساحة المصرية الداخلية، وأظن أن أقلاماً كثيرة تناولتها بالنقد والتحليل أكثر من مرة على هذه الصفحات.

وإذا كان المثل المجازي الشهير يؤكد أن «أهل مكة أدرى بشعابها»، فهذا لا يعني عادة أن المجاورين لها «لا ناقة لهم ولا جمل» في ما يجري في تلك الشعاب، فالظلال والانعكاسات قد تجد طريقها للتأثير في كل ما حولها، وانطلاقاً من هذا القياس، فإن الأحداث والتطورات التي تطفو على السطح بين وقت وآخر في مكان ما، قد تعبر عن أصحاب الشأن بشكل مباشر، ولكنها بالتأكيد تمس كل أطراف المجتمع الأخرى والشعاب المجاورة.

لنتأمل هذا المشهد المثير الذي تعيشه بعض مدن وعواصم العالم، عندما تتعرض لإضرابات عمالية للمطالبة بتحسين الأوضاع المالية والوظيفية أو المعيشية، على سبيل المثال، وقتها، قد تصاب الحياة والشؤون العامة بشلل تام، وعلى غرار ذلك، فإن اضطراب أو ارتباك الأوضاع داخل مؤسسة مجتمعية أو سلطوية كبرى ومؤثرة كمؤسسة الإعلام أو القضاء، لا شك في أنه يسفر عن تأثيرات وانعكاسات سلبية لا تلقي بظلالها على العاملين في تلك المؤسسة الكبرى فحسب، وإنما تضرب بقوة في كل أركان المجتمع.

وإذا كان توازن المجتمعات يتحقق بجناحين أساسيين، أولهما يتمثل في المؤسسة القضائية، فالجناح الثاني يتمثل بالقطع في مؤسسة الإعلام، فهما بحق ضمير الأمة، وبدونهما يفقد الشعب، أي شعب وأي مجتمع، أهم مؤسستين للرقابة وإقامة العدل، وليس خافياً أن المؤسسة القضائية في مصر، على سبيل المثال، تواجه تحديات جسيمة، ليس الآن فقط، ولكن منذ سنوات، ربما تعود إلى ما قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011.

ولا شك في أن القضاء المصري حُمل فوق طاقته بكثير، وبرغم عدم تذمره أو تنصله من مواقفه الوطنية، بل أبدى رجاله حرصاً شديداً على مواصلة مهمتهم حتى النهاية مهما كلفهم الأمر، إلا أن الواقع يؤكد أنهم يتحملون مهمة ثقيلة، لا تتمثل في تداول قضايا عابرة أياً كان نوعها، ولكنهم يتحملون مسؤولية محاكمة ومحاسبة عقود طويلة من الفساد والتجاوزات والانحرافات السياسية والاقتصادية، وهي مهمة تجعل القضاء في موقف لا يحسد عليه، وتحتم حمايته بشكل يحفظ أمنه وتوازنه، ويساعده على أداء دوره وإنجاز مهمته الصعبة.

والشيء نفسه يقال عن الأوضاع الإعلامية في الوقت الراهن، فمصر تعيش بالفعل مأزقاً إعلامياً كبيراً، يستوجب معالجة حصيفة من نوع خاص، تُصلح بدون هدم أو تدجين أو تكميم أفواه، هناك تجاوزات وهناك أخطاء مهنية وغير مهنية بدون أدنى شك من محطات فضائية أو صحف خاصة ومستقلة، ولكنها تظل عند عتبة الأخطاء والتجاوزات التي يجب إصلاحها، ولا ترقى من قريب أو بعيد إلى مستوى الجرائم.

وإذا كان الحديث قد تزايد في الفترة الأخيرة عن توجهات لطرح مشروع جديد للإعلام، بهدف تصحيح دوره الليبرالي بشكل أساسي وترشيد انتقاداته بالحد من اندفاعاته، وربما تهوره، فعلينا جميعاً أن ننتبه، فالإعلام هو ضمير الأمة، ومحاولة تحجيم دوره قد لا يفيد كثيراً، فالقنوات الفضائية الليبرالية والصحف الخاصة والمستقلة، برغم كل ما يمكن أن يقال عن تجاوزات أو أخطاء مهنية جسيمة، وهي موجودة بالفعل، وتحدث عنها إجمالاً وبذكاء شديد د. يوسف الشريف، لعبت دوراً في زيادة الوعي والمعرفة ودرجة الاستنارة لدى الشعب المصري في السنوات الأخيرة.

وعند هذا الحد، يصبح الدفاع عن إصلاح الإعلام ودوره المهني واجب الوطن كله، فالمهنية مع تصحيح الأوضاع في هذا الشأن، لا تخص الإعلاميين أو العاملين في هذا المجال وحدهم، وإنما هي حق لكل المواطنين في المعرفة دون تجاوز أو تهور أو اندفاع، ولن يتسنى لهم ذلك إلا بالدفاع عن هذا الحق المجتمعي، في وجود إعلام منضبط ورشيد.

ومرة أخرى، لا اعتراض على الضوابط التي تعلي من شأن المهنية في المقام الأول، والحديث في هذا الموضوع، يشمل عناصر كثيرة وعديدة، وهي ليست وليدة اليوم، وسبق الحديث عنها وطرحها في أكثر من مناسبة، وعلى مستويات متعددة، ولعل على رأسها، ضرورة صياغة ميثاق شرف إعلامي، يحفظ لكل الأطراف حقوقها، ويحمي المهنية مع الانضباط، وقبل ذلك صيانة توازن المجتمع واستقرار الوطن والحفاظ على جناحيه المهمين.. القضاء والإعلام.