هي الندية البهية أجمل ما ترى عينيك حين يقترن نور وجهها بنور الصبح، وحين يكون عبير أنفاسها نسمات عطرة يموج أريجها في النفس قبل المكان، لغة عينيها تفوق كل لغات العالم حين تطبق أهدابها على روحك كمن يحوطك بسياج الأمن، وهي الكمال كله والبهاء كله، حين تمسح بيديها على صغيرها وإن كبر، فكأنها الدواء الشافي من علل ، وهي نبع الحكمة ومدرسة الصبر، تكشف مكنون نفسك دون أن تنطق ببنت شفه،هي البهية الوفية حين تترمل على أولادها، وتلف خصرها بحبال العزم لمواجهة رحلة التعب والجهد والعرق دون أن تتملل يوماً أو تشتكي.
هي نبع العطاء حين تقتر على نفسها لتطعم من حولها، وحين تختزل من أيامها الحزن لتحيله سعادة لمن حولها، من أرضاها كان على إرضاء غيرها أقدر ومن عقها فلا خير فيه ولا رجاء منه.
هي نهر جار، لا يضن بعطائه ويغترف من حوله منه دون أن يصيبه نقصان أو خلل، تعطي عندما تشتد بك الآلام، ويتعبك السير في دنيا الناس، وتتكالب عليك الدنيا بقدها وقديدها تفر إليها لتضع رأسك على كتفها، وكأنها بلسان الحال تقول لك هنا موطنك.
لذا لم أتعجب حين عرفت أن واحداً من أصدقائي المقيمين في أوروبا أصيب بمرض عضال صعب علاجه وحار في تشخيصه الأطباء إلى أن أشار عليه واحد منهم أن أرسل في طلب أمك لتقيم معك وقد كان، فإذا به يتعافى مبرأ من كل داء، فهي الدواء الذي لم تخترعه يد البشر ولكن أوجدته حكمة الله.
لذا إن أردت أن تعرف مدى تحضر مجتمع ومدى ترسخ القيم بين أبنائه فما عليك إلا أن تقرأ بعين الحال كيف هي الأم بينهم؟.
لذلك كانت رعاية أم الإمارات سمو الشيخ فاطمة بنت مبارك، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الاحتفال بجائزة أم الإمارات للأم المثالية، في دورتها الخامسة، سواء الشخصية العامة، أو الأم البديلة، أو الأم الحاضنة، أو الموظفة الداعمة لفاقدي الرعاية الأسرية، هو تقدير لدور الأم في بناء المجتمعات. وكما قال شوقي «الأم مدرسة إذا اعتدتها................اعتدت شعباً طيب الأعراق».
وإلا فمن أين جاءت نماذج الرجال التي غيرت وجه التاريخ، والتي حملت من القيم أعظمها، ومن الأدب أسماه، ومن الرجولة كمالها، ومن الفضل تمامه، ومن الفكر أحكمه، ومن الخلق أرفعه، ومن الحلم أشده، ومن الوفاء أندره، ومن الكرم غايته، ومن البذل أوسعه، ومن العطف أشده، ومن الإحسان أعلاه؟ فمن أين جاءت تلك النماذج الخالدة إن لم تكن من مدرسة الأمومة؟.
أما ما طرأ على المشهد الأسري من إحلال لدور المربيات لدور الأم فذاك يؤثر بشكل كبير على التوازن النفسي والاجتماعي للأسرة، فقد تقوم المربية بالعديد من المهام لتلبية احتياجات الطفل من ملبس وطعام وشراب لكن أن تلبي احتياجاته النفسية من حنان وعطف فذاك أمر يستحيل.
إن الأم التي اعتادت أن تقوم بأدوارها تجاه أبنائها، حتى مع وجود من يساعدها، هي النموذج الذي اعتدنا نحن أن نراه، وغيابه يمثل مشكلة يصعب حلها، وفي مقابلة مع بعض الأمهات، في المجتمعات التي يكثر فيها الاستعانة بالمربيات، تم توجيه بعض الأسئلة للأم منها: أن الطفل الذي ينتابه كابوس مزعج أثناء نومه في الحالة الطبيعية يهرع لينام في حضنها، في حين أجابت الأخرى التي اعتادت على المربيات في تربية أبنائها أنه يظل يصرخ ويبكي.
إن صورة الأم الحقيقية التي تفتحت عيوننا عليها هي أكمل الصور وأزينها، فهي بين النساء الأكمل وهي بين جميلات الكون الأجمل، وهي الحنان الذي لا يحتاج إلى كلمات تعبر عنه أو تخرجه من حنايا القلب، لأنها تملك لغة خاصة تصل بها إلى مبتغاها، لغة لا كلمات لها لكنها أعمق من كل الكلمات، وقد لا تجيد اختيار مفرداتها ولكن النفس، وبريق العين، وحرقة الفؤاد، ورعشه اليدين، ودقات القلب هي حالاتها.