الضمير الديني والضمير الوطني

ت + ت - الحجم الطبيعي

كان غريباً، برغم كونه صحيحاً، أن يشكو رئيس الوزراء من غياب الضمير لدى المصريين، وهو يطالع أشكالاً مختلفة من الفساد والإهمال في مؤسسات الدولة، ما يجسد حال وطن تراكمت عليه الأمراض، من انسداد السياسة إلى غياب الرؤية وترهل الإدارة.

تبقى شكوى الرجل صحيحة، فالضمير مفهوم محوري في بناء الإنسان الداخلي، يمكن له إذا ما هيمن عليه أن يجعل منه ملاكاً يسير على الأرض، ولكنه مفهوم ذاتي جداً، يصعب ضبطه ومراقبته، أو حتى تنميته وصيانته من خارج الفرد.

ولذا فعندما تتعرض المجتمعات لاهتزازات شديدة، فإنها غالباً ما تصيب الفرد بالحيرة الأخلاقية، وتربك تكوينه النفسي بين ما كان مستقراً لديه من فضائل وقيم، وبين ما صار متاحاً أمامه من فرص يرغب في انتهازها، ومغانم يحلم بالحصول عليها، ما يدفع ضعاف النفوس إلى متاهات أخلاقية، تخرج منهم أسوأ ما فيهم.

ولكن الشكوى نفسها تبقى غريبة، لكونها تصدر عن رئيس الوزراء، وليس عن واعظ ديني، عن رأس حكومة بيدها وضع القوانين واتخاذ الإجراءات، واستخدام سلطة القانون في توجيه دفة الإصلاح، وليس عن إمام مسجد، دوره هو الدعوة إلى التحلي بالأخلاق.

لقد ذبل الضمير، جوهر الأخلاق الدينية التي عاش عليها مجتمعنا طويلاً، برغم استناده إلى دينين عظيمين كالمسيحية والإسلام، ولم يعد مجدياً أن نخاطب في الناس ضمائرهم، بل صار واجباً أن نؤسس أخلاقاً حديثة تتأسس على ثقافة مدنية، ترى في الوطن قيمة كبرى تستحق رعايتها والحدب عليها، كما يستحق الدين رعاية وحدب المؤمنين به.

وهنا تصبح القضية هي القانون قبل الضمير، القواعد المهنية وليس الأخلاق الفردية فقط، السياسات الملزمة بديلاً عن الدعوات الوعظية.

لقد امتلكت مصر طويلاً تكويناً ثقافياً «استيعابياً» ينهض على روحانية الإيمان، وامتداد التاريخ، وعراقة الحضارة، وهو تكوين يساعد الشخصية الإنسانية على حفظ توازنها، ويدعم قدرتها على التعايش مع حوادث زمانها، إذ يعلمها التكيف مع المآسي، والصبر على المحن، ويولد لديها شعوراً باستمرار الوجود، حتى في أصعب الظروف.

ولكنها افتقرت مراراً إلى التكوين الثقافي «الحافز»، أي القادر على دفع الشخصية الإنسانية نحو التحقق والازدهار من خلال الوعي العلمي والمهارات البحثية والقدرات التكنولوجية والخبرات التنظيمية.

وكذلك أخلاقيات العمل كالدقة، والالتزام والتفاني والنظام وغيرها من الأخلاقيات والمهارات الموشاة بفضائل الكفاح المدني والمشاركة السياسية والنضال الوطني، فما عرفته مصر من مفردات هذا التكوين الحافز كان ضئيلاً جداً، يكاد ينتمي إلى قطاعات محدودة.

ويرجع إلى بعض الفترات القصيرة المنثورة بطول عمر الدولة الحديثة، ولكنه لم يصبح تياراً عريضاً، لأن تعميم هذا النمط بطول الفضاء العام، وتمديده إلى شتى الحقب، إنما يحتاج إلى الحرية بمستوياتها الوجودية والسياسية، القادرة على صناعة الفرد الحر المسؤول أخلاقياً وسياسياً، أي المواطن بمعناه الحقيقي.

المعضلة الكبرى اليوم أن المصريين قد خرجوا من عباءة التكوين الاستيعابي (الموروث) الداعي إلى الصبر، من دون أن يبلغوا التكوين الحافز (الحديث)، الدافع إلى التقدم، ومن ثم وقعوا في أسر تكوين ثقافي «عشوائي» مثير للتوتر، إذ ينهض على وعي سطحي بالدين، يحتفي بالشكل ويغيب المضمون. وكذلك على وعي مظهري بالقيم الحديثة خصوصاً مبدأ سيادة القانون، وهنا أصبحنا بصدد مجتمع المفارقات الكبرى.

ومن ناحية أخرى، تنمو ترسانة القوانين الحديثة، وتتعدد الدساتير المدنية، بينما يغيب الحد الأدنى من احترام القوانين، سواء لدى السلطة التي بالغت كثيراً وطويلاً، ربما إلى حد التعسف، في استخدام أدوات القهر على حساب المبادئ القانونية، فعلمت الناس الخوف بدلاً من تنمية روح العدل، ثم عادت أخيراً لتبالغ.

ربما إلى حد التواطؤ، في مهادنة الخارجين على القانون، إلى درجة دفعت الناس إلى التجرؤ على قيمة العدل، فأخذوا يدهسون القانون يومياً، بينما تسعى الدولة إلى التصالح معهم، سواء تعلق الأمر بالمعتدين على المال العام أو على أراضي الدولة أو على مواصفات البناء.

وهو الأخطر على الأقباط الذين تم تهجيرهم أسراً وجماعات من بيوتهم بحسب أحكام مجالس عرفية، وتحت أعين الدولة، لمجرد أن فرداً من بينهم ارتكب خطأ ما، لا يعدو الرد عليه أن يكون اعتذاراً إنسانياً، أو تقاضياً قانونياً، حيث ترسخت تدريجياً فكرة أن القوانين قد وضعت لتطبق على الضعفاء والفقراء فقط، ومن ثم أصبح التنصل من القانون فضيلة يفخر بها الأقوياء، لا تهمة يخجلون منها.

وهكذا يتبدى الرباط المشترك بين عديد الأزمات التي تحيط بنا، وتضغط على أعصابنا، في غياب سيادة القانون، ومن ثم مفهوم المواطنة بمعناه الجوهري الذي يجعل من كل شخص يعيش على تلك الأرض، ويستظل بسمائها، ويشرب من مائها، عضواً في فريق عمل واسع، يحرص على تقدم الوطن، يخشى على شوارعه من القمامة، وعلى مرافقه من التدمير، وعلى موارده من الاستنزاف، وكأنها ملكه الشخصي.

إنه ضمير جديد، يتأسس على المساواة، ويتدعم بالعدالة، وينمو بالحرية، كما يمكن مراقبته من خلال تلك الآلة الضخمة المسماة (الدولة) التي تستطيع إثابة المجيد وعقاب المقصر، بدلاً من التصالح مع المجرمين، أو ترجي حضور الضمير الديني لدى الفاسدين والمنافقين.. ضمير وطني، يحتل من المصري الحق منزلة الضمير الديني، فإن لم نؤمن بمصريتنا فلا نهضة لنا ولا تقدم، ولا أمل في شيء.

 

طباعة Email