فاليريا ­كيربتشنكو.. وداعاً

ت + ت - الحجم الطبيعي

رحلت عن دنيانا أخيرا المستعربة السوفييتية، ثم الروسية: فاليريا كيربتشنكو. عن 85 عاماً. وكانت قد ولدت فى 11 يناير سنة 1930 فى مدينة جاتشينا – حسبما قال لي الدكتور أنور إبراهيم المثقف المصري المرموق والذى يعد أفضل من ترجم الروسية إلى العربية فى تاريخ الترجمة بين اللغتين – والمدينة التى ولدت بها قريبة من بطرسبرج التي أصبحت ليننجراد. ثم عادت لإسمها القديم مرة أخرى. بعد أن أصبح الاتحاد السوفييتي روسيا.

قابلتها لأول مرة سنة 1986 فى موسكو. وكانت ترجمت لي ثلاث روايات إلى الروسية: الحرب فى بر مصر، يحدث فى مصر الآن، أيام الجفاف. وصدرت كل رواية فى كتاب. ثم تم جمعها فى مجلد واحد لتصدر معاً. وبمناسبة صدور المجلد عن دار رادوجا ومعناها: النسر المحلق. دعاني اتحاد الكتاب السوفييت لحضور صدور المجلد. وأقام لي حفلة توقيع كانت المرة الأولى التي أشاهد طوابير تنتظر التوقيع على كتاب. دون حتى كتابة إهداء.

خلال الزيارة تعرفت عليها. وزرتها فى بيتها. ثم تكررت لقاءاتنا. كانت لا تنسى السنوات التي قضتها فى مصر فى زمن عبد الناصر. مرافقة لزوجها الذى كان مسئولاً مهماً فى السفارة السوفييتية بالقاهرة. ولعب دوراً مهماً فى وصول العلاقات المصرية السوفييتية.

فى هذه الفترة كانت فاليريا تعيش فى الزمالك – هكذا حكت لي – وفى تلك الأيام تعرفت على يوسف إدريس كجزء من الأدباء والصحفيين اليساريين. أخذه إليها أول مرة المرحوم محمد عوده، الرجل الذي قضى عمره خادماً لكل موهبة مصرية حقيقية يقدم لها أقصى ما يمكن أن يقدمه. وظل هكذا حتى آخر يوم فى حياته.

فاليريا لم تكتف بقراءة يوسف إدريس ولا ترجمته إلى الروسية. لكنها قدمت دراسة كبيرة عنه. حصلت بها على درجة علمية مهمة. وقد وضعت يدها فى تاريخ مبكر على ملامح كتابة يوسف إدريس. وشكلت اعترافاً مبكراً بقيمة تجربته الأدبية خارج مصر. وأين فى موسكو؟ وما أدراك ما موسكو فى نهاية خمسينيات القرن الماضي وأوائل الستينيات.

عندما زرتها فى بيتها فى موسكو كانت ابنتاها تترجمان تحت إشرافها رواية: أولاد حارتنا، لنجيب محفوظ. وبمناسبة زيارتي لها في منزلها أحضرت الرواية مع الابنتين. وبدأتا تسألاني عن بعض الكلمات التى توقفت أمامهما فى الترجمة. وما زلت أذكر أن أحد الأبطال كان يقول للثاني: قل أنا مرة. وعند نطق الكلمة جرى التعامل معها باعتبارها رقماً. أى مرة واحدة. بدلاً من مرة بمعنى امرأة. وقد شرحت لهم دلالات استخدام الكلمة.

قالت لي إحدى بنتيها إن تعلم اللغة العربية فى بيتهم يعتبر فرض عين. هكذا نطقتها بالعربية. وهذا يعني أن علاقة العائلة بالعائلة علاقة قديمة. ربما تمتد إلى التراث العربي القديم. وعندما كتب زوجها مذكراته باعتباره مسئولاً كبيراً فى الدولة السوفييتة عن جهاز سيادي مهم. ذكر نفس الواقعة. قال إن زوجته ورفيقة عمره بعد عودتها من مصر جعلت اللغة العربية فى البيت ركناً أساسياً من حياة الحياة اليومية.

جمعني بها مع نجيب محفوظ مناسبة. عندما جاءت لمصر بعد ذلك بعامين. سنة 1988. عندما حصل نجيب محفوظ على نوبل. ودعيت فاليريا لحضور الاحتفال المصري الكبير بالمناسبة. كانت قد أحضرت لنجيب محفوظ هدية من موسكو. سماور كبير. قابلناه فى صباح مبكر فى مقهى علي بابا بميدان التحرير. كان نجيب يجلس عليه. وعندما قدمت له السماور سألها عنه. وقالت له وهى تشرح أن كل دوره تسخين المياه فقط. أما باقي عملية عمل الشاي أو القهوة فلا علاقة له بها.

ضحك نجيب محفوظ ضحكته الصادرة من قلبه. وقال لها: وهل تسخين المياه مسألة سهلة؟.

آخر مرة جاءت لمصر كانت سنة 2012، عندما كرمها المركز القومي للترجمة فى الاحتفال بيوم المترجم. وكانت سعيدة بالتكريم لأنه يأتي من بلد تستخدم اللغة التي أحبتها واعتبرتها لغتها الأولى. واعتبرت أن هذا التكريم مهم بصورة لا يمكن وصفها بالنسبة لها. عندما قابلتها لم ألاحظ أنها تلقى نظرة الوداع على القاهرة وعلى مصر والمصريين. هى نفسها لم تكن تدرك هذا. وتحدثت كثيراً عن زيارات أخرى قادمة لمصر.

ثم جاء ابنها سرجي كيربتشنكو إلى مصر ليمثل بلاده كسفير لها فى مصر. قابلته أكثر من مرة. وزرته فى بيته المطل على النيل. وتحدثنا طويلاً. وتكلمت معه عن زيارة الوالدة. هكذا يحب أن يسميها لمصر. يمكنها أن تقيم فى بيته أطول فترة ممكنة. وبذلك قد تستعيد سنوات حياتها المصرية. قال لي يومها أن ظروفها الصحية ربما لا تمكنها من السفر من موسكو للقاهرة الآن. ولم أكن أدري ولم يكن يدري هو أنها قد ترحل عن عالمنا دون أن ترى المدينة التي أحبتها.

هل أطلب من وزارة الثقافة تكريمها بما يليق لما قدمته للثقافة المصرية والعربية؟.

 

طباعة Email