حزب الفتنة!

ت + ت - الحجم الطبيعي

الأصل في الدولة الحديثة، أن تدير شؤون مواطنيها بطرق رشيدة، تتسم بحسن التدبير وتنأى عن العنف.

والأصل في المواطنة ألا يستخدم مواطن العنف في المجال العام لتحقيق مآربه أو مصالحه، لأن القانون وحده معني بتنظيمه باسم الإرادة العامة التي يعبر عنها، وكيلا تشحنه بالفوضى إرادات أفراد متناقضة تقوض السلم الأهلي، في حال خرجت على القانون.

أما ممارسة الأفراد للعنف، فهي تخالف ما تنهض عليه الهيئة المجتمعية العامة وتسانده الدولة التي تعبر عنها، وتعمل لتطبيق العدل على الجميع بالتساوي، بتفويض منها.

ينطبق على الأحزاب ما ينطبق على الأفراد، فلا يجوز للعمل الحزبي شحن المجال العام بالعنف، أو الدعوة لاستخدامه فيه، ولا يحق لتكوين سياسي جزئي، كالحزب، الاستيلاء على مهام ووظائف تكوين عام، هو الدولة، حتى في حال قام بثورة واستولى على السلطة، بالنظر إلى أن استيلاء تكوين جزئي على الدولة، يلغي عموميتها وطابعها الشامل والمجرد.

يستولي حزب الله بالعنف على دولة ومجتمع لبنان، ويعتدي على شعبه والشعوب المجاورة، وخاصة منها شعب سوريا، الذي لم يخضع يوماً له، ولم يطلب منه أن يحكمه، ولم يبادره بالعداء أو يشن الحرب عليه، ولم يعتد على وطنه لبنان.

بل كان ضد عدوان النظام الأسدي عليه، حين كان يحتله، ولم يمارس أي تمييز ضد شركاء الحزب في عقيدته من السوريين، ولم يرفع السلاح في وجه جيش لبنان أو يهدد وجود الدولة هناك، ولم يتوعده أو يعلن عزمه على مقاتلته في أي مكان وزمان، وإنما فتح بيوته أمام أنصاره من اللبنانيين، عندما وفدوا إلى سوريا، ولم يترك واحداً منهم ينام في خيمة أو يكابد الجوع والبرد.

ومع ذلك، أدى عنف حزب الله ضد مجتمعه اللبناني، إلى تدخله العنيف ضد المجتمع السوري، بما ينطوي عليه من مخاطر قد تدخل العنف إلى علاقات شعبين شقيقين، لطالما تغنى شعراؤهما ومثقفوهما بأخوتهما، وتحدثوا عنهما باعتبارهما «شعباً واحداً في دولتين».

وضع حزب الله نفسه فوق الدولة في لبنان، أو بالأصح، وضع الدولة في جيبه وتحت حذائه، فصار من الطبيعي والمحتم، أن ينقل أجواء الفتنة التي يفرضها على بلاده إلى سوريا، أو أن يرغم السوريين على أخذها إلى لبنان، ولولا وعي السوريين وشعورهم الودي تجاه إخوتهم هناك، ورغبتهم في ألا يسقطوا في الفخ المنصوب لهم، لاكتسح العنف والقتل كل بقعة من أرض البلد الجار.

وصرف الحزب معظم وقته في مقاتلة اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين والعراقيين واليمنيين... إلخ، بعد أن أخضع لبنان لتسلط مذهبي مسلح، نسف توافقاته التاريخية التي قام عليها، وقوض الإدارة السلمية للعلاقات بين المكونات التي أسسته، وفرض عليه رعباً شاملاً، جعله يعيش في قلق دائم، طبع أوضاعه بالهشاشة، وقلص فترات التعايش السلمي التي كان ينعم بثمارها بين كل حربين، وبسط هيمنته عليه، وأخرج مصيره من أيدي أبنائه ووضعه في يدي إيران.

ليس لبنان غير أول ضحايا الحزب، الذي كان دخوله إلى سوريا مجرد تصعيد خارجي لعنفه الداخلي.

ومع ثقتنا بأن الحزب وقع في فخ لن يخرج سالماً منه، وأن رهانه ينصب على جر لبنان إليه، لجعله شريكاً له في جريمة قتل السوريين، وفي دفع ثمنها، فإنه لن ينجح في إيهام السوريين بأنه يقاتلهم باسم لبنان، ولن يخدعهم برهانه علي الفتنة، ولن يفسد ما يحملونه لشعبه الشقيق من مودة أخوية!

 

طباعة Email