كان الإمام أبو حنيفة يشكو من ألمٍ مبرّح في ركبته ما يستدعيه لمدّ رجله خلال دروسه، وحدث أن حَضَر ذات يوم شيخٌ كبيرٌ في السن يرتدي ملابس الفقهاء، فخجل أبو حنيفة أن يمد رجله بمحضر هذا الفقيه، فتحامل على نفسه وثناها وأكمل درسه رغم ألمه، واستمر هذا الشيخ في الحضور لمدة شهرين لا يقول فيها كلمة ما أربك أبو حنيفة وزاد في قلقه من أن يُخطئ أمامه.

وذات يوم كان الدرس عن صلاة الفجر ومتى يُكرَه قضاؤها: أعندما يبدو الصباح أم بعد طلوع الشمس، فنطق الشيخ أخيراً وقال: «يا أبا حنيفة!» فسكت الجميع واحمرّ وجه أبي حنيفة خوفاً من أن يسأله عن شيء لا يعرف جوابه، وأردف قائلاً: «وإن طلعت الشمس ولم يبدُ الصباح؟» فرد الإمام: «إن حدث ذلك، فقد آن لأبي حنيفة أن يَمُدَّ رِجلَه».

كثيرون هم الأدعياء الذين نغترّ بهيئاتهم أو مسمياتهم أو تخلب أبصارنا تلك «البروباجاندا» التي يختلقونها من حولهم ويطبل لهم كل قلمٍ مُشترى وضميرٍ «عاطل عن العمل»، حتى يصبح الظلام نوراً والباطل حقاً، وتترسّخ تلك الفكرة مع مرور الزمن لتغدو من المُسلّمات التي لا تقبل التشكيك، وفي عالمٍ موتور بحب النجاحات السريعة تضيع الأمور أكثر، وللأمانة فإن مصطلح النجاحات السريعة Quick Wins يختلف بين عالمنا والعالم المتقدّم.

فهم يجعلون تحقيقها رُكناً لدعم التغيير المنشود وإبقاءً لجذوة حماس المشاركين بهذا التغيير حتى لا يتسرّب فيهم اليأس من بطء وطول مراحله، بينما لدينا في الغالب يكون البحث عن هذه الانتصارات السريعة إرضاءً للمسؤولين حتى لا يفقد ذلك المنصب ويحتل الكرسي شخصٌ سواه. تحدثت آخر مرة عن «ثقافة دق الهرن» وأرى لزاماً أن أكمل ذلك بالحديث عن الوضع المربك لـ«الكثير» من جامعاتنا العربية والتي يصدق فيها المثل المحلي «فوق شينه قواة عينه».

فمنذ أن انفتحت كل نوافذ العالم ولم يبقَ شيء «مستخبي» على أي مستخدم لشبكة الإنترنت وبانت حقيقة المديح الذي كانت تُسبغه الصحف وأقلام بعض محرريها للمرضيّ عنها من المؤسسات وأين موقعها مقارنةً بالمؤسسات الناجحة عالمياً حتى خرجت علينا ظاهرة «شراء الجوائز» والتي ما زالت ذات سوقٍ رائجة لدينا في الخليج تحديداً للضحك على الذقون من قبل المؤسسات المتخبطة.

ونستثني من ذلك المؤسسات المحلية التي حظيت بمصداقية عالمية ونجاح تؤكده الحقائق والأرقام، ثم انتقلت العدوى خليجياً إلى قطاع الجامعات بعد أن انتبهوا لوجود تصانيف لأفضل الجامعات العالمية مثل ويبومتركس وشانغهاي وQS وغيرها، فأبَت طباع الفرسان المغاوير إلا أن يكون لهم نصيبٌ من الغنائم.

وهذا ما حدث ورأينا جامعات تصعد من المرتبة شبه الأخيرة من أكثر من 2990 جامعة إلى مصاف أفضل 400 جامعة عالمية خلال سنتين فقط لِتُجَن مجلة Science الشهيرة ويغني محرروها «وا تسبدي اللي من الهجران منفطرة» ثم تهاجم الجامعة بشراء أبحاث أساتذة عالميين ودفع مبالغ عالية لإضافتهم «شكلياً» إلى هيئة التدريس من أجل التلاعب بمقاييس التصنيف.

وبدلاً من أن يعتذر مدير الجامعة ويعد بالتصحيح يُتحفنا بالجملة العربية الشهيرة والتي تستدر تعاطف الناس مع بلادهم دوماً وتصوير «فضيحته» بأنها مجرد هجوم يهدف للإساءة للوطن بقوله: «لا نعلم النوايا التي تأتي خلف مثل هذه التقارير، التي تسيء لبلادنا في شكل عام وللتعليم العالي في شكل خاص، ويجب ألا نلتفت إليها ولا نعطيها أكبر من حجمها».

ولأنّ الأمور «سهالات» يخرج مسؤول جامعة أخرى ويُبشِّر هو الآخر بأنّ جامعته سـ«تقتحم» قائمة أفضل 200 جامعة عالمية خلال سنتين، ليست المشكلة في الطموح ولكن المشكلة أنّ ترتيب هذه الجامعة الحالي هو 10556 على مؤشر ويبومتركس، أجد نفسي من دون وعي أقف مع محرري المجلة السابقين وأغني معهم «وا تسبدي اللي من الهجران منفطرة»!

المؤسف أنّ هذا تصرف جامعات معروفة ويُفترَض بها أن تكون مثالاً للنزاهة والمصداقية وتعبيراً حياً عن الأمانة العلمية، ولديها من الكفاءات التدريسية الكثير ممن خُنِقوا ورأوا «نجوم القايلة» من سوء بيئة العمل، ولكن يبدو أنّ افتقاد الأمن الوظيفي للمسؤولين واستشراء ظاهرة شراء الجوائز كوسيلة رئيسية لكسب الرضا والبقاء على الكرسي هو ما يدفع هؤلاء المسؤولين لارتكاب هذه التجاوزات.

متناسين أن العالم لم يعد كالسابق والمعلومة لا يمكن إخفاؤها ولم يعد الناس بتلك السذاجة التي تجعلهم يصدقون التبريرات المـُعلّبة، وعندما تفتقد المؤسسة التعليمية الكبرى للمصداقية فماذا نتوقع من مخرجاتها التعليمية وأي دورٍ نتوقع أن تلعبه في النهضة العامة ومشروع التنمية الوطني؟

من المعلوم أن رؤية دون عمل لا تعدو أن تكون حُلُم يقظة، لكنّ عملاً دون رؤية هو كابوس فعلي، فما نحتاجه أن تراجع جامعاتنا الخليجية تحديداً الغرض من قيامها والأهداف التي يفترض أن تصل إليها والمخرجات التعليمية التي لا بد أن توفرها لقطاعات العمل المختلفة والمعايير الفعلية لنجاحها.

وعندما يتغافل بعض مسؤولي الجامعات من أصحاب الرؤية القصيرة والضيقة فإنّ معايير هذه التصنيفات لا تتجمّل لأحد، فمؤشر شانغهاي مثلاً يضع جودة التعليم وجودة هيئة التدريس في صدر المعايير ويُقصد بهم عدد الخريجين وعدد أعضاء هيئة التدريس الفعليين «وليس أساتذة الفزعة والمرتزقة» الحاصلين على جوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء والطب والاقتصاد بالإضافة إلى ميداليات فيلدز في الرياضيات.

فضلاً عن أعداد البحوث المنشورة في المجلات العالمية المتخصصة، وليت الجامعات اللاهثة خلف التصنيف والمبشّرة بحصولها على تصنيف مرتفع أن تُخبرنا بتلك البحوث والدراسات التي رفعت أسهمها ومدى علاقتها بواقعنا والفائدة التي ستعود على بلادنا ومجتمعنا من ورائها، اسأل عن البحوث وليس عن جوائز نوبل حتى لا أسمع صوتاً يقول: آن لأبي حنيفة أن يمد رجله!