لفت انتباهنا، بل فتل وجداننا ذاك الرجل الذي هاجم شمعون بيريز ثعلب اسرائيل، على شاشات التلفزة العالمية التي كانت تنقل في بث مباشر احدى جلسات مؤتمر دافوس. وبقينا مشدودين الى الرجل ذي الكاريزما التي طالما افتقدنا مثلها في مواجهة الاسرائيليين، لكن ان تتكلم شيئاً وان تفعل شيئاً آخر.
ان تكون قويا شيئاً وان تكون القوي الاوحد شيئا مختلفا وان تمارس الديمقراطية لمصلحة شعب لا يعني ان تكون ديكتاتورياً في ممارسة تلك الديمقراطية.
في ذلك اليوم الجمعة الثلاثين من يناير 2009 احتشد الآلاف من الأتراك في مطار أتاتورك بمدينة اسطنبول في وقت مبكر لاستقبال رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان الذي انسحب غاضبا من المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس بعد سجال ساخن مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز حول الحرب على غزة.
وحمل المحتشدون الأتراك الأعلام التركية والفلسطينية ولوحوا بلافتات كتب عليها «مرحبا بعودة المنتصر في دافوس»، مرددين الشعارات المعادية لإسرائيل.
كانت تلك لحظة اعجابنا بالرجل ويبدو انها كانت ايضا لحظة اعجابه بنفسه وهي الخطوة الاولى نحو الغرور والغرور خطوة المسؤول ليصبح ديكتاتوراً بجدارة لكن ليس في صناديق الاقتراع ولا في دولة طردت العسكر الذين ظلوا متحكمين بها عشرات السنين.
عواصم الغرب بدورها لم تشعر بأي أسى أو أسف، للصفعة التي وجهها الناخبون الأتراك لطموحات «السلطان»، فتركيا في السنوات الأخيرة لحكمه، بدأت تتجه صوب نظام حكم هجين، مزيج بين ديمقراطية تتراجع وأوتوقراطية تطل برأسها، متدثرة بحجاب سميك من «ثيوقراطية سُنيّة».. تعامل أردوغان مع أزمات الإقليم، وخطابه الآخذ في التوغل في المذهبية، وردات فعله النزقة على بعض الأزمات الدبلوماسية، كانت مبعث قلق عموماً، سيما وأنها تزامنت مع جنوح للحد من حرية الصحافة والرأي والتعبير وضرب استقلالية القضاء وهجمات منظمة على المجتمع المدني والمتظاهرين السلميين منذ أحداث «تقسيم وجيزي».
وحدها جماعة الإخوان المسلمين بفروعها المختلفة، أحست بالخيبة والخذلان، وقضت ليلة غير سعيدة في انتظار نتائج الانتخابات. فكثير من رهاناتها وآمالها في المنطقة، منعقدة على تركيا، وتحديداً على الدور الخاص المنوط بزعيم الحزب ورئيس البلاد، الذي تكسرت أحلامه في استعادة مجد السلطنة والخلافة والامبراطورية. نتائج الانتخابات في تركيا قالت ما لم يقله اردوغان لنفسه واوقفته عند حده.
لقد تهاوى النجم الأردوغاني، وتبدد الحلم بانتقال تركي لنظام رئاسي يُحكم فيه سيد أنقرة قبضته على الحكم، وفي المقابل تصعد الهويات القومية وعلى رأسها الأكراد وتدخل البرلمان التركي، وهي مرشحة للتحالف مع القوى السياسية الأخرى لكي تعطل التفرد السياسي لحزب العدالة وتعيد اهل العدالة لحجمهم الطبيعي. حزب العدالة والتنمية، تراجع ولم يهزم، فما زال حزباً أولاً وبفارق كبير عن الحزب الثاني.
إلى أين تتجه تركيا الآن؟
ثمة ثلاثة احتمالات توافق عليها المراقبون، اولها إقدام اردوغان مدعوماً بثلث أعضاء البرلمان المنتخب إلى طلب إجراء انتخابات مبكرة بعد 45 يوماً، وهو ما سيكون بمثابة انقلاب ناعم، مغطى بشرعية القانون والدستور وصناديق الاقتراع. الاحتمال الثاني محاولة قوى المعارضة القومية والعلمانية، إقصاء حزب العدالة والتنمية عن الحكم، مستندة إلى توفرها على ما يقرب من ثلثي مقاعد البرلمان.
وهو ما سيجبر الحزب الفائز في الانتخابات، مكرهاً على الانتقال إلى مواقع المعارضة، وسيترتب على ذلك أزمات في نقل السلطة أو التعامل مع السلطة الجديدة، الاحتمال الثالث، الأكثر منطقية، وهو تشكيل حكومة ائتلافية موسعة، تكسر احتكار السلطة والانفراد بها، وتكرس تجربة التناوب والتداول، وتحد من اندفاعة الإسلاميين وزعيمهم، وتلجم مغامراته الإقليمية، وتفتح الباب للمساءلة والمحاسبة في قضايا الفساد وكبت الحريات والاعتداءات على القضاء والصحافة والمجتمع المدني..
هذا الاحتمال سيجنب تركيا خطر الانزلاق إلى «الثنائيات» القاتلة، ويؤسس لمرحلة جديدة، من دون دور فردي مقرر لرجل واحد، ثبت بالملموس، أن معظم قراراته الأخيرة، كانت نابعة من إحساس عميق بذاته وزعامته، وخطاب مفخخ بكثير من العقد الشخصية والفردية والثقافية، يعكس درجة عالية من «التقية»، احتاجت عشر سنوات لتشف عمّا في داخلها.
عربيا، حزب العدالة والتنمية بحاجة إلى تقويم سياسته تجاه الشرق الأوسط الملتهب، ويتوقع أن يعمد إلى اتخاذ قرارات حاسمة تتعلق بالمشكلة السورية بدرجة أولى، حيث إن تركيا تستضيف ما يزيد على مليونين من اللاجئين السوريين، ومن ثم أيضاً إزاء المشكلة العراقية، ومشكلة داعش التي أصبحت على حدود تركيا، بالإضافة إلى علاقتها مع السعودية ومصر في مستوى مهم تؤثر في مستقبل المنطقة.
من الواضح أن السنوات القادمة سوف تشهد مجموعة من التسويات السياسية، سوف تكون تركيا أحد الأطراف المهمة المشاركة في صياغة هذه التسويات، وشكل الحكومة التركية وتركيبتها له دور مهم في شكل العلاقة القادمة، في ظل عدم استفراد حزب العدالة والتنمية في الحكومة والقرار التركي.