الإعلام، وما أدراك ما الإعلام، وخزه كوخز السهام، قد يجمع الناس في وئام، وقد يفرقهم بكيد اللئام، وهو قادر على تحقيق الأماني والأحلام، ولا يصعب عليه أن يسوقك في المتاهات والأوهام. فالأمر لديه جد بسيط، فإن قرّب الصورة وركزها كانت ثورة شعب، وإن بعّد المسافة وفرقها كانت مظاهرة غوغاء، أو شرذمة من الفئويين الذين لا يملأ عينيهم إلا التراب.
ومع وجود حزمة لا تحصى من الفضائيات، أصبح التنافس على أشده، فكل قناة تريد أن تحظى بنسبة عالية من المشاهدين، مهما كان غرضها مادي وربحي، أو رسالة موجهة مدعومة من جهات لا يعلمها إلا الله، أو أصحاب النفوذ العليا فيها.
وكعادتنا كبشر نحب الممنوع، فالممنوع مرغوب، وحيث إن عاداتنا وتقاليدنا ومفهومنا لسياسة العيب قبل تحقيق والتحقق من مبادئ الشرع، فإن هذه القنوات تستحي أن تكسب جمهورها من خلال عرض الأفلام الخليعة، بل تحاول أن تعرض الجنس بإطار معلب، قد يكون أكثر إغراء من المفضوح والمعلن. وفئة أخرى وجدت من عرض الأخبار منهجاً لقناتها، فتعرض القتل والذبح بدعوى الشفافية والمصداقية في الطرح.
وثالثة تعتمد الجرأة في العرض. ورابعة تتخذ مبدأ التصيد والترصد، فترصد الوقائع وتتصيد الأخطاء. وخامسة جل همها الإثارة، ولو على حساب العامة وزعزعة الأمن. وسادسة تحلل. وسابعة تنظّر. وكلها في إطار واحد، هو إرسال رسائل خفية بعناوين منمقة، وعلى المشاهد تقع مسؤولية الاختيار.
والمشاهد هو الحكم الفصل، ففي أغلب الأحيان، يقع ضحية الفبركات والشعارات التي ترضي رغباته وتشبع حاجاته وتلامس معاناته.
وفي خضم هذه الفورة الإعلانية، يظهر لنا الإعلام الرسمي كرجل عجوز بلباسه التقليدي، متخذاً من القنوات الرسمية مسكناً له، ساعياً إلى تحقيق رغبات حكومته في طرحه وعرضه للوقائع والأحداث..
متناولاً جانباً محدداً من الحقائق، فوُجّهت إليه أصابع الاتهام بأنه يخفي الحقائق أو يجمّل عرضها، حسب ما تريد الحكومة والرئاسة، وتوجه الدولة وأجهزة الأمن التي تراقبها. في حين أن الإنتاج الخاص على خلاف ذلك، فهو صريح العرض، وصادق وشفاف، ويحقق مطالب المشاهدين.
أنا لست اختصاصياً نفسياً لكي أحلل رغبات الناس وخفايا أنفسهم في التوجه إلى مثل هذه القنوات المثيرة والاستفزازية، فأنا واحد منهم، يشدني كثيراً ما يشدهم، ويعجبني ما يعجبهم..
ولا أحب الجمود الذي بات سمة تتمتع بها القنوات الرسمية، وكأنها أصبحت علامة تجارية، تشير مباشرة إلى نوع القناة، فعدا عن أنها باهتة الصورة، فإنها مشوشة الصوت بسبب مذيعيها ومقدمي البرامج فيها، الذين ينطقون الكلمة بـ «الملعقة والشوكة».
إلى هذا الحد، ونحن في أمان من النقد، ولكن ما سيفتح أبواب النار علي، هو عندما أكون أكثر صراحة وأقول: لماذا باتت الحكومة تخاف من الإعلام؟. أليست هي صاحبة السلطات الثلاث الحقيقية، السلطة التشريعية، ونضع تحتها ألف خط، وصاحبة السلطتين التنفيذية والقضائية؟. لماذا باتت تخاف من السلطة الرابعة المفترضة والخيالية؟.
ما نراه أمر عجيب غريب، بعض البرامج تسبق الشرطة في التحقيق مع المتهم واستجوابه، ولا رادع لهم. وأخرى يعترض فيها مقدم البرنامج على أحكام المحكمة ويسفهها. وثالث يستخف بالقوانين والأنظمة. ورابع يستجمع قواه لسب الوزير أو رئيس الوزراء، دون ضوابط للنقد المباح من السب والشتم الفضاح.
نعم. أعلم تمام العلم أن من حق المختصين أن ينتقدوا، ولكن وفق أسس علمية. وأعلم تمام العلم، أن من حق الصحافي السعي في كشف الجريمة، ولكن بحدود وضوابط لا تمس الصالح العام، ولا تتعدى الحريات والحقوق الشخصية.
كما أعلم تمام العلم، أن أحكام المحاكم لها طرق للطعن بها، من ضوابط القانون، سواء قانون الإجراءات المدنية أو الجزائية، وليس ساحة الاستوديو التحليلي، وكأن الحاضرين يحللون مباراة كرة القدم، ويا ليتهم يفلحون في تحليل هذه اللعبة، لكي يحللوا ما سُطر في الأوراق التي لم يطلعوا عليها ولم يلموا بخباياها، ولا يعرفوا سر كواليسها.
هذه رسالة إلى الإعلام المصري العزيز العريق، من تلميذ تعلم الكثير من مدرسة حياتهم، وأقولها وكلي خوف على حالهم.. إن جمهور الملعب قد يكون ملماً بواقع الساحة أكثر من اللاعبين أنفسهم، وأنا واحد من هؤلاء الجمهور، ومن متابعي مجريات ما يحصل في الساحة المصرية تحديداً، والعربية والإسلامية عموماً، لأقول كلمة حق وفق اعتقادي وأجري على الله، أعلم أن المنافسة بينكم شديدة كإعلاميين..
وأن أحدكم لو أراد أن يتجنب الإثارة المفرطة، وهو يعلم أنها سبب الخراب، سوف يخسر الكثير من مشاهديه ومتابعيه، ومهما نوى أن يتجنب ذلك، إلا أن ما حوله يثيره ويشده للعرض والطرح، وفق مسيرته تلك، وفي مثل هذه الحالات، كثيراً ما يحتاج الواحد منا لأن تضبطه قوى خارجية. ولذلك، أرى وجوب صدور قانون في مصر العربية الشقيقة الكبرى، يقنن الإعلام، ويحد من إفراطه، ويسيطر على تفريطه.. والله من وراء القصد.