لم نسمع ولا رأينا شيئاً يستحق الذكر عن اضطهاد اقترفه الأفارقة على خلفية دينية ضد يهود إفريقيا السمراء. لا نعتقد أن أفارقة جنوب الصحراء ميزوا بين اليهود وسواهم ولا طاردوهم في الأدغال. ويبدو أن آباء الصهيونية الأوائل المؤسسين كانوا على دراية بهذه الحقيقة، حتى إن أدبياتهم وأضابيرهم تكاد تخلو من أي وقائع دالة على تمييز إفريقي، كالذي عرفته أوروبا. بل ونتصور أن الصهيونية لم تجد في الحياة الإفريقية العامة، ما يسهل عليها تحريض يهود القارة على مجتمعاتهم.
نعرف أن شمال القارة العربي شهد بعض حوادث التعرض للمواطنين اليهود. لكن التحريات التاريخية، التي اضطلع ببعضها مؤرخون يهود منصفون، أثبتت أن تلك الحوادث، المحدودة فى المكان والزمان، تزامنت ومرحلة ما بعد قيام إسرائيل من ناحية، وأنها وقعت بفعل مداخلات استخبارية صهيونية إسرائيلية خبيثة، سعت لاستفزاز اليهود للهجرة لإسرائيل من ناحية أخرى. والأهم هو ما عرف عن اضطلاع عرب إفريقيا، قادة وطنيين ونخباً اجتماعية شعبية، بحماية مواطنيهم اليهود من بطش النازيين والفاشيست أثناء الحرب العالمية الثانية.
مؤدى هذه المعطيات أن استهداف الأفارقة اليهود من جانب الحركة الصهيونية، بغية استقطاعهم من مجتمعاتهم الأم وتهجيرهم إلى إسرائيل، هو الذي أفسد عليهم حياتهم على صعيدين: الأول، هو توجيه أنظار المجتمعات الإفريقية إلى نزوع اليهود للتمايز دينياً وعرقياً، وبالتداعي تخليق رؤية مغايرة تجاههم، تخالف التقاليد السائدة للتعامل معهم.
والثاني، تصاعد آمال الأفارقة اليهود أنفسهم بالانتقال إلى مجتمع يهودي خالص، ينعمون فيه بما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وحقوقياً. لقد أغوتهم الصهيونية وأقنعتهم بآلتها الإعلامية الجبارة، بأنهم سينتقلون إلى فردوس أرضي.
تحوي إسرائيل اليوم زهاء سبعة ملايين يهودي، يعود سدسهم تقريباً إلى أصول إفريقية؛ هاجر معظمهم من دول المغرب وتونس والجزائر وليبيا ومصر وإثيوبيا وجنوب إفريقيا. وبشيء من التعميم، يصح القول إن هجرة هؤلاء الأفارقة من عرب وغير عرب إلى فلسطين، أوقعتهم في فخاخ التحول إلى مستعمرين مستوطنين لفلسطين، والمشاركة في ارتكاب كل الموبقات الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني والعالم العربي. لقد جرى ذلك من دون أن يتحقق لهم ما وعدوا به.
نود القول إن تحول هؤلاء اليهود من مواطنين أقحاح في مجتمعاتهم الأم إلى مستعمرين معتدين في إسرائيل، لم يتلازم مع تحول مواز في مكانتهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية. فمعظم فقراء إسرائيل وجياعها من اليهود ينتمون إلى الشريحة الإفريقية، وقليل منهم جداً من تمكن من تبوؤ وظائف سياسية عليا ذات مغزى بالنسبة لصناعة القرار. ومن كان منهم مؤهلاً أو قابلاً لصعود سلم المكانات بمختلف درجاته في المجتمعات الإفريقية، لم يعد كذلك في إسرائيل.
تؤشر إلى هذا الانحدار موجات الغضب والاحتجاج والتظاهر؛ التي ينخرط فيها بين الحين والآخر يهود الفلاشا الإثيوبيون ويهود المغرب العربي. ومن التقارب الزمني لهذه الموجات؛ التي ترفع عقيرتها ضد الممارسات العنصرية المضروبة عليهم من النخب اليهودية المهيمنة، نفهم اشتداد الضغوط وخروجها عما يسعهم احتماله.. كما نفهم أن اعتراف الرئيس الإسرائيلي رؤبين ريفلين ووزيرها الأول نتانياهو بهذا العسف والتمييز، لم يعد كافياً لتهدئة خواطرهم المكسورة.
تقديرنا أن محاولات الاستدراك والاعتذار هذه لن تجدي على أي مدى زمني متصور. ذلك لأن الممارسات العنصرية الصهيونية وثيقة الصلة بثوابت المكونات الثقافية للنخب الحاكمة، غربية الأصل والفصل.. إنها النخب التي ساقت يهود إفريقيا إلى كيانها الاستيطاني، كي تردف آلته الحربية العدوانية ضد المجتمع الفلسطيني الأصيل. وهي التي ارتدت بمكوناتها ومكنوناتها العنصرية إلى الداخل الاسرائيلي ذاته، باثة سمومها ضد هذه الشريحة اليهودية. وفى ذلك ما يؤكد النزوع الطبيعي للعنصريين؛ الذين يشقى بهم كل من حولهم.
نقول للفلاشا.. لقد استهلكتم جهودكم في تعزيز دولة عدوانية عزلتكم عن مواطنكم الأصلية، ثم راحت تخضعكم أنتم أنفسكم لعنصريتها البغيضة. وما عليكم إلا أن تتلمسوا سبل العودة إلى هذه المواطن، وإن صعب عليكم ذلك أو استحال راهناً، فليس أقل من أن تسمعوا قصتكم إلى العالم عموماً، وإلى الباقين منكم في القارة السمراء وأهلها الطيبين، كي يصموا آذانهم عن النداء الصهيوني الشيطاني، فلا يصيبهم ما أنتم فيه من ازدراء.