في البدء كانت الفكرة، والفكرة تظل طائراً م حلقاً، حتى يهيئ الله لها من ينزلها من الفضاء الذي تحلق فيه، لتصبح واقعاً على الأرض، وحقيقة يراها الجميع. وفي البدء كانت »الندوة« فكرة التقت حولها مجموعة من المهتمين بالشأن الثقافي، بعد مداولات جرت بينهم حول عدم وجود مؤسسة ثقافية في دبي، تمخضت عن مشروع إنشاء مؤسسة ثقافية تعنى بالشأن الثقافي، وتسد النقص الحاصل في الساحة، بعد استعراض تجارب سابقة، شابتها عيوب أدت إلى عدم اكتمالها، وإن كانت قد سجلت اسمها في كتاب العمل الثقافي ذي الأبعاد المجتمعية النبيلة.
هكذا كانت البداية، فكرة محلقة في عقول مجموعة من مثقفي هذا الوطن في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، يدفع أصحابها شغف رؤيتها كياناً على الأرض، ومقراً يلتقون تحت سقفه، ويمارسون أنشطتهم بين جدرانه، ليحولوا أحلامهم إلى واقع.
ولأن الأفكار المحلقة تحتاج إلى من يتحمس لها ويقدم لها الدعم كي تهبط إلى الأرض، فقد هيأ الله لهذه الفكرة التي تبلورت في أذهان تلك المجموعة من مثقفي الوطن قائداً يعرف للأفكار قيمتها، ويدفع إلى تنفيذها، ويقدم لها كل أشكال الدعم والمساندة؛ ذلك هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، راعي كل عمل عظيم على أرض هذه الإمارة، ومفجر طاقات ذوي الأفكار الخلاقة في هذا الوطن، فكان ميلاد »ندوة الثقافة والعلوم« في الثالث من شهر نوفمبر عام 1987، جمعية ثقافية ذات نفع عام، لها مجلس إدارتها المنتخب من قبل جمعيتها العمومية، ولها حضورها الفاعل في المجتمع. منذ ذلك التاريخ و»ندوة الثقافة والعلوم« تواصل مسيرتها لتحقيق الأهداف التي رسمها لها مؤسسوها.
تعاقبت عليها مجالس إدارات مختلفة، تغيرت خلال مسيرتها التي جاوزت ربع القرن وجوه لكن الفكرة لم تتغير، بل ازدادت توهجاً وألقاً ونضجاً. واليوم تقف الندوة شاهداً على عظمة الإنجاز الثقافي لابن الإمارات، وقدرته على تحويل الأفكار إلى منجزات على أرض الواقع.
فتحية للمؤسسين الأوائل، الذين استطاعوا تحويل الفكرة إلى ندوة، وتحية لكل من أسهم بوضع لبنة في هذا البناء الشامخ الذي يشع ثقافة وفكراً، هما من مكونات هذا المجتمع الأصيل، وتحية لصحيفة »البيان« التي شهدت قاعاتها بعضاً من الاجتماعات الأولى لأصحاب الفكرة قبل تأسيس الندوة، وما زالت شريكاً أساسياً وفاعلاً في كل مناشطها، وما هاتان الصفحتان اللتان ستطالعانكم بشكل منتظم إلا واحداً من المنجزات المشتركة بين »ندوة الثقافة والعلوم« وصحيفة »البيان«، لإبراز وجه الوطن المشرق، وليس كالثقافة مرآة صادقة ومشرفة للوطن وأبنائه.