الوضوء بماء القناة

ت + ت - الحجم الطبيعي

قلت للفريق مهاب مميش إن الرئيس عبدالفتاح السيسي حكى في أحاديثه المعلنة أنك اتصلت لتخبره بفكرة إنشاء القناة الجديدة. وأنه استمع لما قلته بقدرته على الإنصات للآخرين. لكنه في صباح اليوم التالي اتصل بك ليسألك: هل استطعت أن تنام بعد ما قلته لي؟ وأنك قلت للرئيس: لم أستطع. فأكد لك الرئيس أنه هو أيضاً لم يستطع النوم. وحدد لك موعداً في الخامسة والنصف من صباح اليوم التالي ومعك الأوراق الخاصة بالمشروع.

قال لي رئيس هيئة قناة السويس الفريق مهاب هذه حكاية طويلة. قلت له لو كان ممكناً أن نستمع إليها سيكون ذلك جميلاً. لأن الحكايات تلخص الإنجازات الكبرى في حياة الأمم. سألته حتى أسهل عليه العثور على نقطة البداية. متى جاءتك فكرة القناة الجديدة؟ قال لي منذ اللحظة الأولى التي وصلت فيها إلى هذا المكان.

ومهاب مميش – فالرجل أصبح بمنجزه أكبر من أي لقب يسبق اسمه أو وظيفة تلحق به – له علاقة أزلية بالماء. إسكندراني من أبناء الإسكندرية. وعمل في القوات البحرية بجيشنا المصري إلى أن أصبح قائداً لها. وظل في موقعه حتى عزله «الإخوان المسلمين» ضمن مذبحة قيادات القوات المسلحة الشهيرة. لدرجة أنه عرف بخبر تعيينه رئيساً لقناة السويس من صديق له.

قبل أن نصل إليه كنت مع زملائي: عماد الدين حسين، رئيس تحرير الشروق. خالد صلاح، رئيس تحرير اليوم السابع. نصر القفاص، الإعلامي المعروف. والإعلامية داليا درويش، صاحبة برنامج: حكاية شعب. شاهدنا قناة السويس الجديدة من الجو. وعندما سألتني داليا درويش عن دلالة ما أراه.

لم أفكر طويلاً في أن أقول لها فوقنا معجزة السماء. وتحتنا معجزة المصريين، الذين استطاعوا أن يكتبوا سطور معجزتهم رغم كل الصعوبات والتحديات التي أحاطت بهم عندما كانوا يحفرون هذه القناة في وقت قياسي ما كنا نتصور أنه يمكن أن يتسع لمثل هذا المنجز العظيم.

تذكرت أنني كنت هنا عندما أعطي الرئيس عبدالفتاح السيسي إشارة البدء للمشروع. كنا في نادي هيئة قناة السويس، وكان الرئيس يتحدث معنا وكان الفريق مهاب مميش يجلس في الصف الأول. سأله الرئيس عن الوقت المتوقع لإنجاز القناة الجديدة. فقال له إن الدراسات على الورق تقول إن المطلوب خمس سنوات. لكنهم سيحاولون اختصارها إلى ثلاث سنوات لشدة الاحتياج إليها.

وهنا رفع الرئيس إصبعاً واحداً من أصابع يده اليمنى الخمس. وقال له: سنة واحدة. سألت الفريق مهاب الأسبوع الماضي عن حيثيات رده عليه بالموافقة على سنة واحدة بدلاً من ثلاث سنوات. قال لي أولاً هناك طبائع العسكرية المصرية..

ورغم أن الأغلب الأعم من المصريين مروا بفترات التكوين في القوات المسلحة، إلا أنهم لا يحملون معهم قيمها وعاداتها وتقاليدها إلى الحياة المدنية. ثانياً إن الأمر لو كان يحتاج لمناقشة فلا يجوز أن أناقش الرئيس هكذا علناً وعلى رؤوس الأشهاد.

لم أقل له لضيق الوقت إن المؤرخ العالمي الشهير أرنولد توينبي عندما كتب عن تاريخ مصر لخصه في كلمتين: التحدي والاستجابة. وقال إنهما تلخصان فصول التاريخ المصري منذ فجره حتى يومه. اليوم الذي كان يكتب فيه توينبي هذا الكلام. ويبدو أن الأمر مستمر حتى أيامنا. وسيبقى معنا حتى قيام الساعة. فالتحدي يحرك كوامن الإبداع داخل الشخصية المصرية.

ولذلك تأتي الاستجابة في مواجهة التحدي لكى تمثل أعظم ما يقدمه المصريون. عندما سئلت أكثر من مرة عن هذا المشروع. هل هو إرادة شعب، أم إرادة رئيس استجاب له الشعب؟ قلت إن الرئيس يقول إنه مواطن عادي انتدبه الشعب المصري ليؤدي مهمة محددة. وإنه يحاول أن يقوم بها وفق ما يريده المصريون. ويجب أن نحرص على هذا وأن نتمسك به. وأن نعتبره دستور العلاقة بين الشعب ورئيسه.

قمنا بجولتين. الأولى بالطائرة، حيث رأينا القناة الجديدة والمياه تملأها. الجولة الثانية كانت بلنش، حيث مشينا لوقت طويل فيما أنجز من القناة الجديدة التي تأكدت أنها ستفتتح في الموعد الذي جرى الاتفاق عليه أمامنا العام الماضي. وأنا لم يسبق لي معرفة الفريق مهاب مميش من قبل، لكن في هذا اليوم الذي قضيته معه لفت نظري فيه إدراكه لما يقوم به ومعرفته له. أدركت من كلامه أن الإدارة فن، والإدارة إنسانية.

 

طباعة Email