يعتقد بعض علماء الاجتماع والسياسة بأن سلطة الدولة لم تنشأ إلا بسبب وصول التناقضات بين الناس حداً يجعل من الجريمة خطراً على الحياة، ومازال هذا الأصل المفسر لسلطة الدولة حاضراً في وظيفة سلطة الدولة.
لنقل إذاً إن حماية المجتمع من الجريمة أياً كان شكلها ونوعها وأسبابها أحد أهم المهام التي تقع على سلطة الدولة وهذا يعني تحقيق الأمن والأمان المجتمعين واللذين يجعلان الحياة ممكنة.
الإجرام بالتعريف كل فعل يقوم به الإنسان ويلحق أذى بالآخر وبالمجتمع سواء أكان أذى مادياً بكل ما يتعلق بالملكية والحق المادي أو كان أذى جسدياً من التعذيب إلى الاغتصاب إلى القتل، ولما كان فعل الإجرام خطراً على الحياة سنت الأعراف الاجتماعية تاريخياً نوعاً من العقاب للحيلولة دون وقوع الجريمة، ثم صاغت الدولة قوانين تحدد الجرائم وعقوباتها الجزائية.
ويظل الإجرام الفردي خطراً محدود الأذى وقابلاً للسيطرة عليه، والحد من انتشاره، حتى إجرام العصابات يمكن للدولة الانتصار عليه.
ولعمري إن عقوبات الحرمان والغرامة والسجن والإعدام التي أصبحت من اختصاص السلطة القضائية ساهمت إلى أقصى حد في مواجهة الجريمة والنزعة العدوانية لدى الإنسان.
ولكن لم يخطر على بال المشرع وصائغي الأعراف وحراس الحق أن يشهد التاريخ ظاهرة أن تمارس سلطة الدولة الإجرام بحق الناس. أي ظاهرة السلطة المجرمة.
والسلطة المجرمة بالتعريف هي التي تتماهى فيها السلطة مع الدولة وتقوم بالاعتداء على حقوق الناس بدواعي الاحتفاظ بسلطة جاءت عن طريق الغلبة وتحولت إلى أداة نهب وإثراء وهبش.
وهذا النمط من السلطة الذي عانى منه العرب ويعانون في بعض البلدان هو أخطر الأنواع، وليس من نتائجه فقدان الأمن وفقدان الشعور بالكرامة الإنسانية فقط وإنما فقدان الشعور بالانتماء إلى الأوطان.
إن المرء ليتساءل وهو يتأمل حال: ماذا يعني أن يكون ستة عشر مليوناً من اليمنيين محرومين من المياه الصالحة للشرب، ويكون النسبة الأكبر من السكان في حالة فقر، وتكون ثروة علي عبد الله صالح في الوقت نفسه عشرات المليارات، أليس هذه جريمة قتل؟
إن المرء ليتساءل ما حاجة اليمن إلى هذه المؤسسة العسكرية التي بناها رئيس اليمن والتي استهلكت أموال الناس دون أي مبرر وطني. المؤسسة التي تقوم اليوم مع الحوثيين بقصف تعز؟ إنها سلطة الإجرام التي استمرت سنوات طويلة فوق صدور الناس وتسرق لقمة الناس.
هذا الأنموذج من السلطة الذي تتحالف معه القوى الحوثية التي تعلن الموت لأميركا والموت لإسرائيل والموت لليهود، هذا النموذج من السلطة المجرمة التي تؤيده دولة ولاية الفقيه وأدوات دولة ولاية الفقيه جماعة حسن نصرالله.
في بلدان السلطة المجرمة الآن حرب، أجل العنف المستفحل اليوم في بغداد ودمشق وصنعاء وطرابلس هو نتيجة من نتائج السلطة المجرمة.
وليس بديل السلطة المجرمة سلطة مجرمة أخرى باسم الشعارات الأصولية الزائفة، بل سلطة دولة تقوم على انقاض دولة السلطة المجرمة.
لقد آن لنا أن نفكر جميعاً بمستقبل بلا سلطة إجرام، بمجتمع تكون فيه الجريمة حالة فردية تواجه بدولة القانون التي يكون هاجس سلطتها تطبيق الحق وحماية الحرية وتحقيق الأمن.