سباق على القتل

ت + ت - الحجم الطبيعي

بعد تعهد الدول الغربية عامة وأميركا بصورة خاصة، ألا تتكرر مجازر رواندا، بدأت الدولة الأقوى عالمياً، برعاية مجموعة «رواندات» عربية / شرق أوسطية، تجمعت تدريجياً إلى أن تمركزت في سوريا، وحولتها إلى حقل اختبار جربت فيه سياسات متنوعة، تكاملت عبر مجزرة عامة لا قيود عليها، للقتل فيها هدف واحد هو القتل..

وأهداف كثيرة أخرى ترتبط بالواقع الدولي والسياسات التي تكفل استمراره، ريثما تحسم قضاياه الخلافية، التي قلبت الديبلوماسية من فن الممكن إلى فن التعايش مع القتل وتحجيم وإضعاف الخصوم، بدماء أبرياء ليسوا طرفاً في الصراعات التي تكلفهم حياتهم، وتقوض دولهم وتهشم مجتمعاتهم.

يبدو أنه لم يعد هناك من وسائل سياسية، سلمية وحوارية، تكفي للحفاظ على المصالح الأميركية في الوضع الانتقالي الذي يعيشه العالم. بعد إعلان رؤساء واشنطن أنها ستدير النظام الدولي بصفتها قطبه الأوحد، وبعد السرعة التي بانت خلالها استحالة قيام واستمرار نظام كهذا، وتخلق وتكون قوى دولية جديدة يفرض وجودها بعض التوازن معها، بدأت سياسات القتل والفوضى تعم العالم، بدءاً برواندا والكونغو، وصولاً إلى الشرق الأوسط والعالم العربي، حيث تتكثف وتتقاطع وتتناقض مصالح الدول الكبرى..

وتضم كل دولة من دوله تناقضات عديدة، أنتجتها بالدرجة الأولى نظم استبداد تنتشر في كل مكان منه، أحبطت التطور الذي كان يأخذ مجتمعاته نحو الاندماج كمجتمعات حديثة، متماسكة وموحدة، يضع أحجار الأساس لتطور ثوري ينهي انقسامها وتبعثرها الداخلي، سياسياً كان أم اجتماعياً أم اقتصادياً أم ثقافياً أم إثنياً، ويحل انطلاقاً من قيم الحرية والمساواة والعدالة، التي يؤمن بها كائن سياسي قادر على تخطي الاستبداد، لم يكن موجوداً من قبل، يسمونه «المواطن».

بافتقارها إلى القوة الضرورية للإمساك بالنظام الدولي، ولإبقائه تحت سيطرتها، قررت واشنطن المحافظة على تفوقها النسبي، من خلال إدارة فوضى متحكم بها، تنشرها عبر علاقاتها مع الخارج عامة، ومناطقه التي يجب أن يعاد النظر في أوضاعها بصورة خاصة. هذا النهج الأميركي التقى مع نهج استبدادي محلي «وطني»، يرى في التصدع الداخلي أرضية ضرورية لاستمراره وتفوقه على «مجتمعاته»..

ولإدارة تناقضات رعاياه كذوات متناحرة تضبطها يده القوية. بالتلاقي بين النهجين المتشابهين، شرع ملايين البشر يسقطون قتلى فوضى عارمة، يوجهها مركز دولي منظم، ينقلها إلى معظم مناطق المعمورة، وخاصة منها، بلدان الاستبداد في عالمنا العربي.

 ومن يراقب الحال الراهنة في منطقتنا، سيجد القتل متفشياً في كل مكان من سوريا، التي قتل عدد هائل من بناتها وأبنائها، أطفالها وشيوخها، نسائها ورجالها، إلى العراق، حيث يستمر القتل منذ خمسة عشر عاماً، وصولاً إلى ليبيا وتونس ومصر واليمن، عبوراً إلى إيران، التي تدفعها مشكلاتها الكثيرة وصدوعها الداخلية واستبدادية نظامها لانفجار يمكن أن يقع في أي وقت، ستكون نتيجته هلاك الملايين قتلاً، ومجازر لا مثيل لها، سيمليها طابع نظامها المؤدلج دينياً ومذهبياً، بمعضلاته العصية على الحل، التي يعتقد حكام طهران أن تعايشهم معها كفيل بإبطال طابعها الانفجاري.

لا شيء يضمن طبعاً عدم انتشار القتل إلى البلدان المجاورة جميعها، دون أي استثناء، عربية كانت أم غير عربية، بما في ذلك داخل فلسطين المحتلة، التي يتعمق ويتجذر فيها الصدع القومي والديني بين العرب والصهاينة.

متى نخرج من حقبة الفوضى التي تجتاح العالم، بتدبير من البلد الأقوى والأكثر تقدماً، وبلدان متأخرة كثيرة، يتركز قسم كبير منها في عالمنا العربي وجواره، حيث يدير الأول فوضى الوضع الدولي، التي تمكنه من المحافظة لأطول فترة ممكنة على سيطرة تصعب المحافظة عليها في أوضاع طبيعية وعلاقات متكافئة..

ومع ذلك، فهي تتراجع، برغم ما يفعله لمنع أطراف النظام الدولي الأخرى من احتلال مواقع، وتشكيل تكتلات تضعف هيمنته عليها، بينما يدير الثاني، بفضل الفوضى الدولية والمحلية، مجتمعاته المتصدعة، ويضع يده على السلطة والثروة فيها؟.

يزعزع إسقاط أي نظام مستبد، نظام الفوضى العالمية، الذي ترعاه واشنطن. هذه الحقيقة تخبرنا لم حمت نظام الأسد في سوريا، وأتت بالمالكي في العراق، ولماذا تحرص على نظام ملالي طهران، وتمتنع عن فعل أي شيء ضد غزوه للبلدان المجاورة.

ولماذا لم تر «داعش» وهي تقتحم سوريا بعد العراق، ولم تقلق من تحويل ثورة الحرية التي أرادت إسقاط الاستبداد، إلى اقتتال نمت في ظله مذهبية إرهابية ذات نزعات استبدادية مطلقة، بما يرتب على صعودها من فوضى وقتل بلا حدود.

 

طباعة Email