بين يدي استقالته، كمبعوث للجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط، تعلل توني بلير بأسباب بالغة التهافت والمجانية.. فقد قال إنه يشعر بالإحباط لأن فرص تحقيق التسوية على المسار الفلسطيني تبدو محدودة. لا يعرف عن هذا الرجل الغباء، كما لا يمكن رميه بالبلاهة والعته، حتى نبتلع مثل هذا المبرر بعد ثمانية أعوام قضاها في وظيفته المرموقة.

الأقرب إلى المنطق أنه سياسي مراوغ؛ يجيد التلاعب بالأفكار والمواقف، ويعتبر أن السياسة هي فن الكذب والتضليل. لقد تجلت هذه الصفات تماماً، إلى جانب خصلتي الانتهازية واستغلال المناصب لتحقيق مآرب ذاتية، عندما ساهم بلير دون أسانيد ودلائل حقيقية في الترويج لغزو العراق عام 2003، بزعم أن بغداد تمتلك أسلحة دمار شامل؛ مستعدة عند صدور الأوامر للانطلاق خلال أقل من دقيقة واحدة.

تأسيساً على هذه الخلفية، يصح الاعتقاد بأن بلير لم يقدم على الاستقالة أسفاً منه على فشل الرباعية، المكونة من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، في تحقيق أهدافها، ودخول عملية التسوية في نفق غائم مجهول النهاية.

ومن المؤكد أنه لم يشأ باستقالته رفع شارة إنذار حول الموت السريري لهذه العملية وسفاهة محاولة إنعاشها بالاعتماد على الرباعية. الأرجح أن السياسي البريطاني المنحاز إلى إسرائيل، آثر الترجل بعد أن استنفد أغراضه الشخصية، فبنى مجداً اقتصادياً وراكم أموالاً تشبع نهمه للثروة. ومن يدري، فربما كان موعوداً بوظيفة مجزية أخرى.

في بيان توديعها للمبعوث المدلل، ألمحت الرباعية إلى أنه ساعد الفلسطينيين على مواجهة ضغوط اقتصادية كبيرة، وكأنه كان مندوباً لإحدى الجمعيات الخيرية وليس مبعوثاً لهيئة قوامها كبار النظام الدولي؛ أنيط بها إقرار تسوية سلمية لأعقد القضايا الدولية.

بلير كان على علم واسع لسنوات بأنه يمضي في طريق مسدود مسدود، وأنه لا حاجة لعملية التسوية به وبجولاته الفارغة. ولهذا لا ندري ما إن كانت استقالته تمثل شهادة وفاة لمهمته هو شخصياً أم للمهمة الأصل؛ التي تضطلع بها الرباعية لعقد بكامله بلا جدوى.

تقديرنا أن بلير بالرغم من كل التحفظات على شخصيته وعلى سيرته الذاتية المثيرة للجدل، بل وربما بسبب هذه التحفظات، كان الرجل المناسب للمهمة المناسبة. فهو بملكاته وأساليبه الأكروباتية حاول التغطية على إخفاق الرباعية، ومن العيب تعليق هذا الإخفاق بذمة المندوب؛ الذي لم يكن مطلوباً منه غير هذه التغطية.

لقد كانت الرباعية وما زالت آلية دولية ظاهرها تعددية وسطاء التسوية ورعاتها، وباطنها الإرادة الأميركية وحدها بلا شريك. ومن المعلوم أن بلير كان رجل واشنطن في أوروبا وقت أن كان رئيساً لوزراء بريطانيا العظمى، فكيف لا يكون رجلها وهو مجرد مندوب للرباعية؟!

مع ذلك، لا ينبغي الاكتفاء، فلسطينياً وعربياً، بالترحيب باختفاء بلير من خريطة الرباعية وعملية التسوية. المطلوب من بلير تقديم كشف حساب سياسي في تقرير جامع ومفصل حول مهمته على مدار سنواتها العجاف. هذا لكي نعرف ما الذي كان موكولاً به بالتحديد، وما الذي كان يطرحه ويقترحه، وكيف كان المعنيون يتعاطون مع هذه الطروحات والمقترحات... ماذا كان يقول وماذا كان يقال له في إطار هذه المهمة؟

ثم إن الرباعية بدورها مطالبة بالخروج على المعنيين ببيان، يتجاوز لغة المجاملة والحذلقات الدبلوماسية إلى إيضاح موقفها وتقييمها لدورها أولاً ودور بلير تالياً، وما إن كانت بصدد تجهيز خليفة لهذا المندوب؛ مع التعريف بالمواصفات والشروط التي يفترض مراعاتها فيه. هذا وإلا كان غياب بلير عن المشهد الإقليمي والدولي، ظاهرة عابرة لا معنى لها.