لم يكفها أن شوهت الدين، وذبحت الإنسان وقتلت الحياة، ودمرت الحضارة وهدمت المقامات، لم يكف «داعش» كل هذا الظلام الذي تغطي به الشمس، وقريباً قد تمنع النساء من النظر إلى القمر لأنه مذكر. لكنها تواصل امتهان المرأة التي كرّمها الدين واحترمتها الحضارات، هي الأم والابنة والزوجة والحبيبة، وهي حواء نصف الحياة.

فبعد روايات موثقة لوحشية «داعش» في المناطق التي تدنسها في الأرض العربية، من اغتصاب لقاصرات، وبيع نساء في أسواق نخاسة، والزواج الشكلي من نساء متزوجات، فقد استخدمت النساء كـ «عضّاضات»، وهو تعبير لم نسمع به من قبل، وربما لن تسمع به الغابات أيضاً.

جاء في التقارير الإخبارية مؤخراً، أن التنظيم بدأ بتسيير دوريات نسائية، تُعرف بـ «العضّاضات»، في قضاء الحويجة العراقي، تكون مهمتها معاقبة النساء والفتيات اللاتي لا يلتزمن بـ «اللباس الشرعي»، الذي فرضه التنظيم في مناطق سيطرته.

ويرصد «فصيل العضاضات» التابع لـ «الشرطة الإسلامية»، المخالفات لتعليمات التنظيم، لـ «تنقض» بعدها «العضاضة» على المرأة المخالفة وتعضها من عدة أنحاء من جسمها بصورة مؤلمة، تجعل الضحية تبكي وجعاً، حسب مصدر قضائي من كركوك. وأوضح المصدر نفسه، أن هذا «الإجراء العقابي» تطبقه نسوة «داعش» في عدة مناطق يسيطر عليها التنظيم.

وكشف أن هذا التصرف أثار الهلع بين نساء الحويجة، التي يهيمن عليها التنظيم منذ حوالي العام، مشبهاً وظيفة «العضاضة»، بما يقوم به الكلب المسعور. كما يفرض التنظيم عقوبات أخرى على نساء وفتيات الحويجة، كالجلد لكل امرأة تخرج دون محرم، سواء كانت فتاة شابة أو امرأة كبيرة في السن.

تأتي مهنة العض التي تمارسها نساء داعش، لتكمل مهمة تجهيز «السبايا» لـ «أمراء وخلفاء» الزمن الرديء، الذي تعيش فيه أمة العرب والمسلمين. إن ما يصلنا من ممارسات لعناصر «داعش»، جزء قليل مما يجري في مناطق «داعش»،..

وخاصة الممارسات الجنسية الحيوانية. ولا ننسى ما روته إحدى الفتيات اللاتي قدر لهن أن يفلتن من براثن الوحش في منطقة برزة، إحدى ضواحي دمشق، وعرفت نفسها باسم داما جمال، وتداولتها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، إذ تقول في جزء مما حصل معها

خرجت أنا وسبع فتيات، اثنتان منا كن متزوجات، فكبلونا وأخذونا إلى ساحة صغيرة، وكان الشجر يحيط بكل شيء، دون أن يتفوه أحدهم بأي كلمة، ولا صوت سوى صوت جهاز لاسلكي مع أحدهم.

قال لنا أحدهم: (أقمن الصلاة الآن). قالت امرأة (إحدى المتزوجات): ولكنا لسن طاهرات، يجب أن نتوضأ. فضربها بسوط كالذي نراه في الأفلام، وقال لها: (اخرسي، وافعلي ما أمرتك به). صلينا أمامه، كانت صلاة العشاء، وعندما انتهينا، فتح اللاسلكي ..

وقال: (شيخنا إنهن مسلمات سنيات بحق)، وبدأ الحوار مع الطرف الثاني وهو يمشي بعيداً عنا، عاد الرجل إلينا، قال: (ستأتي نسوة مسلمات الآن، تذهبن معهن، وتأتمرن بأوامرهن). أتت امرأة ومعها بعض النسوة المسلحات، قالت: (السلام عليكم). قلنا (وعليكم السلام). رمقتنا جيداً، وقالت: (مِن هنا…). سارت المرأة وسرنا خلفها. اصطحبتنا إلى الحمامات، والسلاح موجه علينا، تحممنا جمعاً، وجبرنا على تنظيف أنفسنا بشفرات الحلاقة،.

ومن ثم خرجنا، وأتت امرأة أجلستنا على مدة عربية، وصففت شعرنا تباعاً. بعد أن انتهينا، مشينا ولفافة سوداء حول عيوننا، ولم نجد أنفسنا إلا في بهو كبير، يتزعمه رجل يجلس في صدر المجلس، ملتحٍ ومحنّى أسفل اللحية، حافف الشارب، وحوله طوق من المسلحين. قال: (اقتربن..). ناظرنا، وقال: (من تريد أن تتزوجني على سنة الله ورسوله؟).

لم ترد أي منا بكلمة، نظر إلي بطريقة فظيعة، وقال لي: (أنت زوجة لي فتحضري). قلت له: (يا شيخ أتشرف.. ولكني مصابة بسرطان الدم). قال غاضباً: (تأكدوا من الأمر حالاً.. فإن كانت كاذبة، ارموها مع السبايا النصيريات)، ليتمتع بها المجاهدون متى أرادوا).

تواصل الفتاة بألم: خرجنا بذات الطريقة دون أن نرى شيئاً، مع النسوة أنفسهن، كان من حظهن أنهن لسن جميلات، ومن حظي إصابتي بسرطان الدم. قال لي الشيخة: (إذا كنت كاذبة فسيكون مصيرك هكذا)، ففتحت لنا أعيننا من تحت الضماد، بعد أن قطعنا مسافة لا بأس فيها، فرأيت عشرات النساء عاريات تماماً، مصفوفات بطابور يمتد جانباً بآلية العرض، ورجال مسلحين ينتقوهن كالخضراوات..

ويتحسسون أثداءهن واحدة تلو الأخرى. إنه سوق السبايا، كما علمت لاحقاً، ولا تعرض فيه سوى المرأة غير المسلمة (بنظرهم). قالت الشيخة: (هؤلاء سبايا المجاهدين، يباعون ويشترون لأنهن نصيريات كافرات، ويمنع عليهن ارتداء ملابسهن، فإن كنت كاذبة سوف تلقين هكذا مصيراً!

قصة نارين الفتاة الايزيدية التي نشرتها صحيفة الإندبندنت البريطانية وصحف أوروبية، وفي واشنطن بوست الأميركية بعنوان «أنا فتاة ايزيدية عمري 14 سنة، قُدمت هدية إلى قائد في «داعش»، لا تقل مأساوية عن قصة داما. ففي صباح الثالث من أغسطس، بلغ مسلحو «داعش» أطراف بلدة تل عزير في محافظة نينوى، فغادرت نارين وأفراد أسرتها، لم يأخذوا إلا ملابسهم وبعض المقتنيات.

وبعد ساعة من المسير شمالاً، توقفوا للارتواء من بئر. كانوا يتجهون إلى جبال سنجار، حيث «آلاف الايزيدين مثلنا، لأننا سمعنا الكثير من القصص عن وحشية (مقاتلي) «داعش» وما قاموا به. فجأة، وجدنا أنفسنا محاصرين بمسلحين يرتدون بزات «داعش».

صرخ الناس في رعب، وخفنا على أرواحنا. لم يسبق لي الإحساس بعجز مماثل». بعد ذلك قُسم الأسرى بحسب الجنس والعمر، وسرق المسلحون أموال الطاعنين في السن وتركوهم، بعد تجريدهم من كل شيء. وُضعت النساء والفتيات في شاحنة، وسُرعان ما قُتل الشباب، وبينهم شقيق نارين وعمره 19 سنة.

وبعد الظهر، وصلت الأسيرات إلى مدرسة مهجورة في قرية غربي الموصل، هناك وجدن نساء وفتيات فَقَدن حريتهن قبلهن. دخل مقاتلون، وبعضهم من سن نارين، وعرضوا على المحتجزات اعتناق الإسلام، لكنهن رفضن. وبعد أيام نُقلن إلى مكان أوسع في الموصل، فيه المزيد من الايزيديات، واحتُجزن هناك 20 يوماً.

وطوال تلك الفترة، استمرت الضغوط عليهن للتحول إلى الإسلام، وكان الرد نفسه، «لن نتخلى عن ديانتنا».

وفي مرحلة لاحقة، فُصلت الفتيات عن المتزوجات، و«قُدَمت وصديقتي شايما هدية إلى مقاتلين من الجنوب. شايما مُنحت لأبي حسين، وهو رجل دين، وأنا اختاروني لرجل يتجاوز الخمسين من العمر، وزنه زائد ولحيته كثة، ويبدو أنه صاحب منصب مهم، وكنيته أبو أحمد.

اقتادونا إلى منزل في الفلوجة كأنه قصر. كرر أبو أحمد دعوتي إلى الإسلام. حاول اغتصابي مرات عدة، لكنني لم أمكنه من لمسي. فصار يضربني يومياً، يعاقبني ويركلني. واقتصر طعامي على وجبة واحدة.

فكرتُ وشايما في الانتحار. «داعش» لا تزال تتوسع، العرب عاجزون، العالم صامت، لا أحد يسمع صرخات السبايا وأنين الضحايا. وحده من خطط لتدمير الأمة وتشويه الدين الإسلامي، يشرب نخب الانتصارات في كؤوس عليها نجمة داوود!