يعّد النجاح في احتضان المقر الدائم للوكالة الدولية للطاقة المتجددة «أيرينا» إنجازاً آخر يضاف إلى قائمة الإنجازات والنقلات النوعية التي حققتها دولة الإمارات على مدى نصف قرن من الزمن، حيث تمكنت بفضل الاستثمار الحكيم لمواردها الهيدروكربونية خلال العقود الخمسة الماضية من أن تتبوأ مركزاً عالمياً رائداً في قطاع الطاقة، ومكانة مرموقة ضمن أكبر ثماني دول من ناحية احتياطياتها من الطاقة الهيدروكربونية على مستوى العالم.
وبالتوازي مع ذلك، تعتبر الدولة سباقة نحو الاهتمام بالبحث والتطوير في مجال الطاقة المتجددة والذي يدعم بدوره قطاع الطاقة الهيدروكربونية ويسهم في تنويع مصادر الطاقة، ممَا يساعد على مواصلة مسيرة التنمية على المدى البعيد.
لقد خطت دولة الإمارات أولى خطواتها في درب التنمية والتطور مرتكزةً على الرؤى والنظرة المستقبلية للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والذي عمل على ترسيخ أسس النهضة لبناء دولة عصرية ذات مكانه مرموقة وقوية في المجتمع الدولي.
وسيراً على هذا النهج، حرصت دولة الإمارات في ظل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ومن خلال المتابعة الحثيثة من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، على الاستثمار في العنصر البشري من خلال التعليم والتدريب عالي المستوى وفي مختلف القطاعات، متيحةً أمام الجيل المقبل خيارات عمل عديدة، وفرصاً مميزة للقيام بدور أساسي في رسم مستقبل مشرق مبني على الابتكار، معززةً ذلك بتأسيس نظام صحي متطور يضاهي مثيلاته في الدول المتقدمة.
وفي الوقت نفسه، عملت القيادة الرشيدة على ترسيخ مكانة الدولة كمركز اقتصادي وتجاري رائد على مستوى العالم، من خلال بناء شبكة واسعة من الموانئ والمطارات والطرق السريعة التي تواكب أعلى المعايير المطبقة دولياً.
وإدراكاً منها لأهمية تنويع الاقتصاد واستدامة الموارد، توجهَت دولة الإمارات نحو قطاع الطاقة الذي تملك فيه قدراً كبيراً من الخبرات والمعرفة، والتي يمكن تسخيرها والاستفادة منها في الاستثمارات المختلفة لتأمين مصادر متنوعة للطاقة، وضمان مستقبل مستدام.
وفي ضوء التوقعات بأن يصل تعداد سكان العالم إلى 9 مليارات نسمة بحلول العام 2050، بات لزاماً علينا مواكبة ذلك بتقليل الاعتماد على المصادر الهيدركربونية، وتلبية الطلب المتزايد على الطاقة عبر تطوير تقنيات الطاقة المتجددة التي أصبحت تضاهي قدرة وكفاءة الطاقة التقليدية.
وفي إطار جهود الدولة الرامية إلى دعم مشاريع الطاقة المتجددة، والتزاماً من القيادة الرشيدة بدفع عجلة التطور والتنمية، أطلقت إمارة دبي مشروع «مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية» كواحد من أهم المشاريع الرائدة في مجال الطاقة النظيفة بقدرة إنتاجية للمرحلة الأولى تبلغ 13 ميجاواط، ومن المخطط أن تصل قدرته الإنتاجية إلى ألف ميجاواط، كذلك يشمل المجمع مركزا للبحوث والتطوير والابتكار لدعم التطورات التقنية للطاقة المتجددة، بالإضافة إلى أكاديمية للطاقة المتجددة لتأهيل الكوادر من أبناء الدولة وإعداد الطامحين للتميز في هذا القطاع.
وفي هذا السياق، تقوم وكالة «آيرينا» من موقعها في إمارة أبوظبي بلعب دور محوري في تعزيز مكانة الدولة كمركز رائد للمعرفة في مجال الطاقة انطلاقاً من جهودها التي تسهم في جمع خبراء الطاقة والوفود العالمية لدعم التقدم وتسريع وتيرة التنمية من خلال مشاركة المعرفة والخبرة في قطاع الطاقة المتجددة الذي يشهد تطوراً متسارعاً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مهمة هذه المنظمة الدولية التي تم تأسيسها في عام 2009، لا تقتصر على تبنّي نوع من الطاقة على حساب الآخر، بل هي تمثل منصة عالمية لتبادل أفضل الممارسات، والتعرف على أحدث التطورات التكنولوجية في قطاع الطاقة المتجددة، فضلاً عن تعزيز التعاون العالمي في القضايا والمبادرات والمشاريع ذات الصلة بهذا القطاع.
ولا شك أن رؤى دولة الإمارات تنسجم إلى حد بعيد مع توجهات «آيرينا» والتي تتمثل بضرورة إجراء الأبحاث والتطوير والدراسات وتوظيف الاستثمارات في أشكال جديدة من الطاقة من أجل التنمية الاقتصادية المستدامة وتلبية متطلبات التزايد السكاني التي تشمل مختلف جوانب الحياة.
وفي هذا السياق، عملت أبوظبي، من خلال شركة «مصدر» مبادرة أبوظبي متعددة الأوجه للطاقة المتجددة، على تطوير عدة مشاريع من شأنها دعم الرؤية المستدامة وتنفيذ برنامج طاقة متكامل يتضمن تقنيات الطاقة المتجددة، ومن ضمنها محطة «شمس1» العاملة بالطاقة الشمسية المركزة في المنطقة الغربية، والتي تزود شبكة الكهرباء بـ 100 ميجاواط من الطاقة النظيفة.
يضاف إلى ذلك مشاريع «مصدر» الخارجية في مجال الطاقة الشمسية والتي توفر إمدادات الكهرباء لآلاف المنازل والمنشآت في موريتانيا وأسبانيا وأفغانستان، إلى جانب استثماراتها المهمة في مبادرات ومشاريع كبيرة ومتوسطة على مستوى المرافق الخدمية في قطاع طاقة الرياح بمختلف أنحاء العالم، بدءاً من المملكة المتحدة ووصولاً إلى جنوب المحيط الهادئ.
وفضلاً عن ذلك، تحرص «مصدر» على تعزيز وتنمية استثماراتها في الطاقة المتجددة، ويتجلى ذلك في الخطط والمساعي الحثيثة لتنفيذ مشاريع في كل من المملكة الأردنية الهاشمية وسلطنة عمان وبحر الشمال. حيث تنطوي هذه المشاريع على إمكانات لا حصر لها من شأنها تلبية احتياجات المستقبل والمساهمة في ضمان أمن الطاقة العالمي.
ومن جانب آخر، تقوم أبوظبي ببناء برنامج آمن للطاقة النووية السلمية يهدف إلى توليد 5600 ميجاواط من الطاقة الكهربائية النظيفة.
وتواصل دولة الإمارات ترسيخ مكانتها المتقدمة في قطاع الطاقة مع اختيار أبوظبي لاستضافة المقر الدائم للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، التي تضم في عضويتها حالياً 140 دولة إضافة إلى 32 دولة أخرى قيد الحصول على العضوية، مما يعزز دور الدولة في جمع أبرز الخبراء والمستثمرين ومزودي خدمات الطاقة المتجددة للتباحث في المسائل المستجدة والتقنيات وأفضل الممارسات في هذا القطاع الذي بات يشهد نمواً ملحوظاً.
ولنا موعد قريب مع افتتاح المقر الدائم لوكالة (آيرينا)، حيث تعد «مدينة مصدر» الخيار الأمثل لاحتضان مقر الوكالة الدولية للطاقة لمتجددة لكونها تسعى لأن تكون واحدة من أكثر مدن العالم استدامة، فضلاً عن أنها تعد منصة عالمية لتطوير الحلول الجديدة والمبتكرة التي تساعد على تحقيق التنمية المستدامة.