لا شك في أن مهنة الصحافة هي مهنة البحث عن المتاعب، وإن شئت الدقة هي مهنة البحث عن الحقيقة، فالصحفيون هم وكلاء عن الجمهور ولسان حاله، كما أن ما يكتب بمداد أقلامهم يعبر عن ضمائر قرائهم، وإعداد الصحفي الناجح أمر شديد الخصوصية والأهمية، وبحكم مسؤوليتي فإن ما يؤرقني كثيراً هو عزوف الطلبة عن الالتحاق بتخصص الصحافة، ويرجع ذلك في جانب كبير منه إلى ضعف البناء اللغوي للطالب في اللغة العربية، خصوصاً في مرحلة ما قبل الجامعة، والتي تؤثر بالتبعية على خياراتهم في التخصص الجامعي، وهي ما يطرح النقاش عن السبل لتحفيز الطلبة على الالتحاق بتخصص الصحافة المهدد بالإغلاق في العديد من الجامعات بالدولة إذا لم يكن أغلق بالفعل في بعضها.
وإذا كان الخبير يجوب الشوارع الضيقة في البرازيل وغيرها من دول أميركا اللاتينية ليرى أصحاب المواهب من الأطفال ثم يأخذهم، حيث تتوافر لهم البيئة المواتية للتعبير عن مواهبهم تلك التي يتم صقلها ورعايتها عبر نظام تدريبي متكامل، لتخرج لنا في الأخير مواهب تمتع العالم أجمع، فإن ما تقوم به جريدة البيان الغراء يشبه إلى حد كبير مع ما يقوم به الخبراء من الكشف عن المواهب الكروية، عبر إتاحة الفرصة للمواهب الشابة في الكتابة الصحفية للتعبير عن أنفسهم من خلال مسابقة تنافسية بين شباب الإعلام بالجامعات في التحقيق الصحفي، الذي هو من أهم القوالب الصحفية بالدولة، ليكتشف أصحاب المواهب أنفسهم وليكتشفهم كذلك المتخصصون في المجال الصحفي ويتعهدونهم بالرعاية والتثقيف حتى تنضج الموهبة وتكتمل مقومات صحفي يعرف أدوات المهنة وأخلاقياتها.
ولأن الموهبة وحدها لا تكفي دون أن يتم صقلها وتطويرها فكم من أصحاب أقلام سيالة في صغرهم ومقتبل عمرهم لم يصبح لهم شأن في دنيا الكتابة والرأي لأنهم اكتفوا بما يفعلون كهواة، أو أن الفرصة الحقيقة لهم لم تأت بعد، أو أنه لم يتم اكتشاف مواهبهم، غير أن هناك من ثبط همتهم، وبدلاً من أن يكون عامل جذب كان عامل طرد، لذا فإن مسابقة البيان ترفع النداء بين حملة الأقلام لتنطلق المسيرة من جديد ويمسك كل بقلمه ويخدم مجتمعه.
إن الدور الوطني للمؤسسات الصحفية، عندما تواجه تحدياً وإن لم تكن هي حلقة أصيلة منه، يستلزم منها أن تأخذ بزمام المبادرة ولا تكتفي بأن تضم المحترفين من الصحفيين ولكن أن تكون هي ذاتها منصة إطلاق للمواهب الصحفية الشابة، وهنا يتعاظم الدور الوطني للمؤسسة الإعلامية عندما تكون قادرة على تكوين صف ثان وثالث ورابع من الكوادر الصحفية.
وفي ظل ما يعاني منه المشهد الإعلامي في العالم العربي من تجاوز والبعد في كثير من الأحيان عن المهنية فإن إطلاق مثل هذه المسابقات من مؤسسات صحفية لها تقاليدها وضوابطها مثل البيان لا شك في أنه يساعد في نشر الثقافة المهنية التي لن تتأتى إلا عبر الممارسة التي تعكسها كتابات الشباب، والشاهد أن من الشروط التي حددتها «أن تكون موضوعات التحقيقات لها صلة بخدمة المجتمع»، وهو توجه لا شك يرسخ المسؤولية الاجتماعية للصحافة، فلا قيمة حقيقية لعمل ليس له مردود إيجابي مجتمعياً حتى لو كان هزلياً فكاهياً فمن الممكن أن يكون له بعد اجتماعي، فضلاً عن تحديد عدد الكلمات التي يجب ألا يتجاوزها موضوع التحقيق هي مهارة أخرى من مهارات الاتصال، وهي كيف أستطيع أن أعبر عما أريد في حدود المساحة أو المدة الزمنية المتاحة.
كما أنني أتوقع أن المتميزين من شباب الإعلاميين سيكون لهم مع البيان صولات وجولات، وأن مواهبهم سيتم تبنيها وستفتح لها أبواب المؤسسة للتعبير عن قدراتهم.
إن من الأمور المقطوع بها أن لكل مؤسسة إعلامية مدرسة تبتدعها أو تنتمي إليها، ولها سياسة إعلامية تحدد ضوابط عملها، وكثير من المؤسسات الإعلامية الغربية حرصت في بدايات القرن الماضي على استقطاب الكفاءات الصحفية العربية الشابة وفتح أبواب التدريب لهم، ليس لإكسابهم المهارات الصحفية فحسب ولكن لنشر منهجية العمل الصحفي من خلال رؤية المؤسسة ذاتها.
خصوصاً أن هؤلاء المتدربين سيعودون إلى بلادهم لممارسة ما تعلموه، كما أنهم سيقومون بدورهم بتدريب غيرهم، فيشيع نمط من الممارسة نتفق معه أو نختلف، إلا أن ذلك أحد أهم سبل نشر الفكر والممارسات المهنية، لذا فإن المؤسسات الصحفية التي لها تاريخ يعتد به وضوابط نثق فيها ينبغي أن تعمل على نشر الضوابط المنهجية الراقية من خلال الممارسة ومن خلال تعليم شباب الصحفيين المواهب الشابة عبر المزيد من طرح هذا النوع من المسابقات وتعميقه، بحيث لا ينحصر في شكل صحفي واحد فقد ولكن ليخرج لنا مرة الكاتب الشاب والمخبر الصحفي والمحقق والمحلل والمراسل وغيرهم، كذلك أن تتسع الدائرة لتتجاوز شباب الجامعة إلى المراحل التعليمية ما قبل الجامعي، أو تتجاوزهم إلى المراحل المختلفة ومن كل التخصصات، خصوصاً أن هناك مواهب صحفية في تخصصات مختلفة وهو ما يثري العمل الصحفي سواء في المجال السياسي أو الرياضي أو الاقتصادي الذي يحتاج إلى تأهيل إعلامي ليلج الفرد المجال بشكل صحيح.
ولأن التجارب الأولى تدوم طويلاً وتؤثر فيما بعدها من خيارات لذا ففي يقيني أن البدايات الصحفية لأية موهبة عندما تكون البيان نقطة انطلاقها فإنها لن تقبل بما دون ذلك، كما أنها تمثل دفعة كبيرة لكل موهبة شابة لمزيد من الانطلاق لمشوار الألف ميل الذي بدأ بخطوات كبيرة باعتبار أن جريدة البيان كانت بدايته، كما أن مثل هذه المسابقات والإعلان عن الفائزين بها ونشر أعمالهم على صفحات الجريدة يدفع الكثير من الشباب أن يحاكوا أقرانهم.
إن فتح القنوات الصحيحة لكي يمارس الشباب مواهبهم والتعبير عن أفكارهم وشغلهم بما هو جيد يبعدهم عما هو غير ذلك، كما أنها مسابقات كاشفة كيف يفكر الشباب، وما هي أفكارهم، وما يشغل بالهم، وكيف ينظرون إلى العالم من حولهم. إنني أتمنى على البيان أن تكرر مثل هذه المسابقات بالشراكة مع كليات وتخصصات الإعلام، كما أدعو كل الصحف أن تحذو حذوها، وهو ما يعد دوراً وطنياً ومسؤولية مجتمعية، فضلاً عن مردودها الاقتصادي على المؤسسة ذاتها، هنا تكون المؤسسة الصحفية جزءاً من الحل.