تليفونات لندن

ت + ت - الحجم الطبيعي

كان اتصالي التليفوني الأول به فى الغردقة. بعد أن عرفت بصدفة لم أستأذن أطرافها فى حكايتها فى معرفة خبر الحادث الذي تعرض له أستاذنا محمد حسنين هيكل لحظة وقوعه. أو بعدها بأقل من دقيقة. انتحيت جانباً، واتصلت به. فرد علي. لكن الكلمات القليلة التى قالها: يوسف أنا كويس. وإغلاق الخط مباشرة. أكد لي أن ثمة أمرا ما حدث.

وأنا لا أحب ذهابه إلى الغردقة. لأسباب أعرفها وليس من حقي كتابتها. لكنه بعد أن استقر فى لندن وأجرى الجراحة وخرج ليقيم فى منزل نجله الدكتور أحمد. وتصوري أنه اختار منزل أحمد وليس منزله. لأن منزله فى لندن ربما كان معروفاً وستحدث له حالة من وصول الورود وزيارات الأمر الواقع مما قد يسبب له إزعاجاً.

ثم هل ننسى أننا أمام إنسان مطلوب من قبل قتلة حاولوا حرق عزبته. ولا أستبعد ولا يستبعد أحد استمرار المحاولة التي جرت له. لذلك لم أسأل عن اسم المستشفى. بل ونصحت عدم إعلان المستشفى. رغم أن صديقي الدكتور محمد الوحش عبقري زراعة الكبد فى مصر طلب مني معرفة اسم المستشفى. وهو سيعرف من الذي أجرى العملية؟ وكيف أجراها؟ ومآلها. لأنها أمور معروفة لمن عاش فى لندن مثله سنوات.

فى أيام لندن الأولى كان تليفونه مغلقاً. وكنت أتصل لمعرفتي – رغم محدوديتها – بأن الموبايلات تظهر الأرقام التى طلبتها وهى مغلقة. ولكني بعد أيام اتصلت بالدكتور أحمد هيكل. وهو صاحب صوت متفائل. وتتخلل أحرف كلماته مشروعات ضحكات لا نسمعها. لكنها تتضح لمن يقرأ نبرات الصوت.

فى أحد الاتصالات بأحمد.

تصادف أن كان موجوداً فى غرفة الوالد – هكذا يتحدث عنه – واستأذنه فى أن يعطيه التليفون وأعطاه له ورد علىّ. وبعدها سمح له الأطباء بتلقي مكالمات تليفونية. بل وبطلب من يريد. وهكذا أصبح الطريق سالكاً أمام الاتصال اليومي. كل ما كنت أراعيه فرق التوقيت بين القاهرة ولندن. وأنا أعرفه لإدماني الاستماع لإذاعة لندن العربية على مدار اليوم.

كانت الكلمات مقتضبة فى البداية. وأنا لم أكن أتصل لمعرفة آخر أخباره. وماذا نتج عن العملية؟ ومراحل العلاج الطبيعي؟ وهل بدأ يتمشى أم لا؟ لأن تقدم العلاج كان يصلني من مساحة الكلام ونبرة الصوت.

لا شئ يعبر عن حالة الإنسان مثل صوته. فالصوت عنوان لمن يستخدمه. إلى أن كانت مكالمة فوجئت به يسألني: إيه أخبار مصر؟ لحظتها أدركت أن الرجل تعافى وشفي. وأوشكت أن أقول له حمد الله على السلامة. ومشكلتي أنني أقول له أخباراً كثيرة ربما يعرفها قبلي. وبإحاطة ربما تنقص معرفتي أنا شخصياً. لذلك أتردد فى أن أقول له أخباري. ولكن الغربة ووجوده فى غربة قسرية. رغم أنني أعرف أنه كان يستعد لرحلة أوروبية قبل الحادث بأيام. وأنه كان سيعود من الغردقة ليقضي يوماً بالقاهرة. ثم ينطلق لرحلة أوروبية قد تزيد على الشهر.

علمتني أمي – يرحمها الله رحمة واسعة ويسكنها فسيح جناته – أن المجالس أمانات. وأنا أترجم كلامها بأن المكالمات أمانات. لكن ما يمكن قوله إنني قلت له إن شائعات القاهرة الليلية – وهي ليست دقيقة وأيضاً لا تعد خيالاً كاملاً وربما كانت تعبيراً عما يجري – هذه الشائعات ترشح ياسر رزق وزيراً للإعلام. بعد أن أدركت الدولة المصرية خطأ وخطأ قرار إلغاء وزارة الإعلام الذي كان جريمة فى حق مصر. وآن الأوان لتداركه. فمصر بلا صوت وبلا لسان وبلا كلمة.

قال لي ياسر؟ ثم حكى أن ياسر اتصل به ثلاث مرات وهو لم يرد عليه. لأنه لم يكن قد سمح له باستخدام التليفونات. وسيتصل به فوراً. ليس لأنه مرشح وزيراً للإعلام. فمكانه أهم من وزارات الدنيا ولكن لأنه يحب أن يكلمه. ثم قال عبارة من النادر أن يقولها. فهيكل يبتعد عن الطرطشة العاطفية التي نمارسها فى كلامنا. لكنه قال لي: على فكرة أنا أحب ياسر كثيراً.

وربما كانت من المرات النادرة التي يلجأ فيها هيكل لكلمة الحب فى التعبير عن مشاعره. أما الذي جرى فإن ياسر رزق رغم الشائعات لم يتصل به أحد ليحدثه عن وزارة الإعلام. في مكالمة أخرى قلت له إن عبد الله السناوي صرَّح لقناة أون تي في بأنك ستعود آخر الأسبوع. سألني: أي قناة ذكرت؟ اسم القناة بتأنٍ ليصله.

عاد يسألني: هل حدد اليوم؟ قلت لا. قال آخر الأسبوع بتعميم ربما كان مقصوداً. قال: سأصل لمطار القاهرة يوم الجمعة. لم يحدد الوقت ولم أسأله. قال: سأخرج من المطار لبيتي بالجيزة لأن الرحلة ربما كانت مرهقة. فى أعقاب العلاج الطبيعي الذي ربما استكملته فى مصر.

ولكي نثبت روزنامة هيكل أو دفتر أحواله أقول نقلاً عن الصديق خالد عبد الهادي. الرجل الذي يحصي على هيكل حتى أنفاسه أن الأستاذ سافر إلى الغردقة يوم الإثنين 27 أبريل. وأن الحادث وقع له يوم الثلاثاء 28 أبريل.

وأنه سافر إلى لندن يوم 30 أبريل. وأن العملية الجراحية أجريت له يوم الأحد 3 مايو. وأنها بدأت الساعة التاسعة صباحاً بتوقيت لندن. واستمرت ساعتين ونصف. وأن تشخيص حالته كان كسرا فى منطقة الفخذ. وأنه بقي في العناية المركزة بعد العملية. وفي يوم الأحد 10 مايو خرج من العناية المركزة. وفى يوم الجمعة 29 من مايو رجع إلى مصر.

من يستغرب كتابتي. أقول له من عرف هيكل سيتفهم ما كتبته.

طباعة Email