العاصمة الجديدة ودورها في مصر

ت + ت - الحجم الطبيعي

كغيره من أمور مهمة، لم يحظَ موضوع إنشاء العاصمة الجديدة (الإدارية)، بحقه من النقاش العام الموضوعي. صحيح أن الفكرة نفسها قديمة نوعاً، ناقشها كثيرون، بدءاً من العظيم جمال حمدان، منذ طرحت للمرة الأولى في السبعينيات.

أدعو هنا إلى حوار جاد، يطمئن المصريين جميعاً على أن تكلفة تلك العاصمة (45 مليار دولار كمرحلة أولى)، يمثل استثماراً حقيقياً في المستقبل. وحتى يحدث ذلك، أبدي شخصياً تحفظاتي على المشروع، لدوافع عديدة، بعضها معنوي سوف أنطلق منه، وبعضها عملي، أضعه في صورة مقترحات أمام المعنيين بدراسته أو تنفيذه.

الدافع المعنوي الذي ننطلق منه يتعلق بـ (رمزية القاهرة) في تاريخ الحضارة. فاللفظ نفسه ذو دلالة كبرى، اكتسبها من زمن كانت حركة الفتوح الإسلامية لا تزال تتمدد في جغرافيا العالم، انطلاقاً من ذلك القلب النابض (مصر).

إن إصلاح القاهرة يبقى أمراً ممكناً، ولكن عبر سلسلة من الإجراءات الضرورية والشروط الصارمة، التي يتحتم فرضها، حتى ولو شرعنا في بناء العاصمة الجديدة نفسها، فإذا ما تأخرنا في ذلك، حصلنا على عاصمة جديدة لبضع سنوات فقط، قبل أن يتم تشويهها من جديد، ليصبح لدينا عاصمتان: أحدثهما صغيرة في فوضاها، وأعرقهما عملاقة في توحشها، تكاد تمثل مصنعاً للعنف والإرهاب، ومطبخاً للانقلاب على الحكم، وهو مستقبل ربما تعفينا منه بعض الإصلاحات العملية، التي نضمنها المقترحات الأربعة التالية:

أول هذه المقترحات، إخلاء القاهرة الكبرى من كل الوزارات والسفارات ووحدات المرور، وذلك بإقامة حي للوزارات في مدينة كالتجمع الخامس، وآخر للسفارات في مدينة كالرحاب، ومجمعين ضخمين للمرور، يتسمان بالتنظيم، أولهما للقاهرة في مدينة كالعبور. وثانيهما للجيزة في مدينة مثل أكتوبر.

ولنا أن نتخيل كيف يسهل ذلك من مهمة تأمين السفارات والوزارات، وكيف يحرر جمهور المتعاملين مع المرور من ضغوط الزحام وسوء التنظيم، النابعين من ضيق المكان. وكيف يحرر قلب المدينة العتيقة من الجلطات المرورية، ويمنحنا فراغات عديدة، يمكن تحويلها إلى مزارات ومتاحف وحدائق عامة، تمثل متنفساً ثقافياً وبيئياً. ومن الممكن هنا، إسناد بناء تلك الأحياء إلى الشركة نفسها التي أسند إليها بناء العاصمة الجديدة، على أن تقوم بإنجاز مهمتها الجديدة في ثلاث سنوات على الأكثر.

والمقترح الثاني، توجيه، ولو نصف إنفاق المرحلة الأولى من العاصمة الجديدة، أي نحو 25 مليار دولار إلى مهمة بناء شبكة مواصلات عملاقة، تتمحور حول ما نسميه بـ (ثلاثية النظام)، المعتبرة في كل عاصمة محترمة، وهى خطوط المترو الطولية والعرضية، وخطوط الأتوبيس العام، وأخيراً التاكسي. مع التخلي، في المقابل، عن (رباعية الفوضى) التي أصابتنا بالقبح والعشوائية، وهى الميكروباص والسرفيس، والتوك توك، والموتوسيكلات. على أن تترافق المهمتان زمنياً، فيعطى القائمون على رباعية الفوضى مهلة للانسحاب من الشارع، تعادل الفسحة الزمنية لإنجاز ثلاثية النظام.

والمقترح الثالث هو التعاطي الخلاق مع المتعطلين، بفعل توقيف رباعية الفوضى، ونظرائهم من البائعين الجائلين الذي يسترزقون من الاقتصاد العشوائي، ويخلقون أزمة للدولة، تسعى لحلها بنقلهم من مكان إلى مكان، ما يعني تدوير المشكلة وليس حلها.

وما نقترحه حلاً لتلك المشكلة، هو إحصاء جميع المنتمين إلى عالم القبح في المواصلات والاقتصاد معاً، يضاف إليهم أطفال الشوارع من الصبية فوق الستة عشر عاماً، لتوظيفهم في مصانع لتدوير القمامة وإنتاج الطاقة، يمكن إنشاؤها على حواف القاهرة، وكل مدينة مصرية، سواء باستثمار عام أو خاص، فمثل هذا المشروع الضخم، سيكون مربحاً بالضرورة، إن لم يكن اقتصادياً، فبيئياً وحضارياً، إذ يخلصنا من عدة مشكلات متشابكة، تكاد تسد شرايين الحياة في مدينة العظمة التعيسة. قد يتأبى بعض البائعين الجائلين، أو سائقي التوك توك على هذا الحل، وهنا، يجب ردعهم بشكل حاسم، فلا يحق لمواطن أن يعتدي على حرمة الفضاء العامة، ثم يساوم الدولة لتمنحه مقابل تراجعه.

 

طباعة Email