قمة مفصلية!

ت + ت - الحجم الطبيعي

للقمة التي عقدها قادة الخليج العربي مع رئيس أميركا في منتجع كامب ديفيد مكانة فائقة الأهمية في سياسات المنطقة المحلية والإقليمية والدولية، ومثلت لحظة انعطافية في تاريخها الحديث، بسبب طبيعة اللحظة التي ستتم فيها، ونوعية الصراعات التي ستعالجها، وأدوار الدول التي انصرفت إلى مناقشتها وأخذ موقف منها، والنتائج التي ترتبت عليها.

ثمة معركة فتحها الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية عنوانها حماية آمنة والتصدي للمخاطر من أية جهة تأتي. هذه المعركة لا يمكن أن تكون محض خليجية، وأن تقتصر على البلدان العربية المنخرطة في عمليات «عاصفة الحزم» العسكرية / السياسية التي تتخطى معانيها الحدث اليمني المحلي إلى السياسات وتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية، وتفرض رؤية ومصالح عرب المنطقة على جدول الأعمال الاستراتيجي الذي يعتمده الآخرون، مهما كانت أسماؤهم، وتضع لأول مرة خطوطاً حمراء صلبة ليتقيد بها الفاعلون المحليون والإقليميون..

فالخليج لن يقبل بعد العاصفة اختراقه لأي سبب، ولن يقف مكتوف اليدين حيال أي طرف يحاول مس توازناته أو تغيير هويته وحساباته، ولديه من القوة ما يكفي لحماية خياره الجديد واستقلاله، وهو يتخذ مواقفه بصورة معلنة لا غموض فيها، ويرسل إشارات تنم على مواقفه إلى سائر الأطراف، كي تعرف ما هو مسموح لها به، وممنوع عليها.

تلتقي هذه الانعطافة السياسية مع واقعتين مهمّتين، هما:

أولاً: تغيير يطاول موازين القوى في الصراع السوري، من نتائجه تحرير محافظة إدلب من النظام، مع ما يعنيه ذلك من ضربة شبه قاتلة موجّهة إلى مشروع تقسيم سوريا وفكرته، فضلاً عن الانهيار الصارخ في معنويات جيش السلطة ورجالها الذي استدعى تدخل بشار الأسد وإلقاءه خطبة مليئة باليأس والتخبّط.

هذا التبدل المهم في علاقات القوى يمهّد بقوة لتفاهم دولي حول نمط الحل السياسي المطلوب دولياً لسوريا الذي يجب أن يبعد الأسد وأتباعه عن السلطة، لينال الشعب المظلوم أخيراً ما ضحى في سبيله من حرية وكرامة.

في المقابل، يواجه هذا التقدم الواضح لقوى الثورة حشداً إيرانياً كبيراً يصل تباعاً إلى أرض المعركة، تمهيداً لشن هجوم كبير تعهّدت طهران بإنجازه خلال الفترة القريبة المقبلة. ثمة إذاً أمران مهمان أمام القمة، هما: التوصل إلى تفاهم دولي حول الحل والسلام، ووقف إبادة السوريين من جهة، ومنع إيران من إطالة الحرب بتدخلها العسكري المباشر.

ثانياً: تبدل مزدوج في الموقف الأميركي عبّر عن نفسه في مطالبة أوباما الدول العربية بأداء دور تدخّلي في الوضع السوري، وإعلان سامنتا باور، مسؤولة الخارجية الأميركية الكبيرة، أن تغيراً وقع في أولويات بلادها حيال الإرهاب، أقنعها أنها لن تنجح في تحقيق الانتصار ضد «داعش» دون رحيل بشار الأسد عن السلطة في سوريا.

 سيفيد قادة الخليج من هذين التطورين في موقف أميركا، لبلوغ مواقف أكثر تطوراً وملموسية حيال إنهاء الصراع السوري لمصلحة الشعب وحريته، وهو ما أعتقد جازماً أن القيادات الخليجية ستحقّقه في اللقاء مع أوباما، لتستكمل بذلك لوحة السياسة العربية الجديدة التي بدأت «عاصفة الحزم»، ولا مفر من أن تقيم تكاملاً واضحاً بين الحدثين السوري واليمني، حماية للخليج وللعالم العربي في مشارق أرضه ومغاربها.

بـ«عاصفة الحزم»، بدأ العرب مرحلة سياسية جديدة لن يكون لقاء كامب ديفيد غير واحدة من محطاتها المفصلية التي يترقبها العرب جميعهم، واثقين بأنها ستحقق الكثير من توقعاتهم وآمالهم.

طباعة Email