عاش الناس في الوطن العربي ويعيشون في أكناف عائلة ومجتمع وثقافة يتلقون فيها طقوس الإيمان الديني، ويتوارثونه على نحو شفاهي، ثم تضيف المدرسة ثقافة دينية مكتوبة لا تختلف كثيرا عن الإيمان الشعبي. والحق إن الإيمان الشعبي إيمان أخلاقي مهذب للسلوك الأخلاقي ويحسن العلاقات المعشرية بين الناس .فطقوس الصلاة الفردية أو الجماعية هي طقوس تقوم بدور التواصل الروحي مع السماء، وبالتالي فإنها تسمو بالمؤمن وتغني جانبه الروحي، وقس على ذلك طقوس الإيمان الأخرى.

فضلاً عن ذلك فإن الإيمان الشعبي غني بمفاهيم أخلاقية تحدد سلوكه تجاه الآخر، كحب الآخر والأخوة، والعمل الصالح، ومساعدة الآخرين، واحترام الجار، والرفع من قيمة العمل وإتقانه، وعدم الاعتداء، والدفاع عن الوطن الخ

هذا الإيمان الشعبي، الذي استمر لمئات السنين ومازال، يتناقض تناقضاً كبيراً مع التدين المؤدلج الذي تحول الى خطاب سياسي - عنفي يحصر سلوكه في تحقيق أجندة سلطوية بحجة تحقيق مملكة الإله على الأرض.

فإذا كنا في حال الإيمان الشعبي أمام ما يسمونه دين الفطرة فإننا في التدين الأيديولوجي ندخل عالم تعقيد الخطاب ليصل إلى حد صياغة لاهوت خاص بالسعي لاستلام السلطة. فنقع على مفاهيم كمفهوم الحاكمية لله الذي صاغه الباكستاني أبو الأعلى المودودي وأخذه عنه سيد قطب، وإعادة مصطلح دار الإيمان ودار الكفر، وطرح مصطلح الردة والمرتد الذي مضى عليه ألف وخمسمئة عام وكان مرتبطاً بواقعة محددة وصارت من الماضي، والحديث عن ولاية الفقيه، واستعادة مصطلحات الخلاف السياسي القديمة. واستحضار فكرة الخلافة والعنف باسم الجهاد الخ.

وما كان لانفجار موروث الصراع السياسي القديم على السلطة أن يظهر في صورته الطائفية اليوم لو لم توظف بعض الدول قدراتها المادية والعسكرية والأيديولوجية في خلق جماعات منظمة تنظيماً فاشياً في العراق ولبنان واليمن ذات خطاب ثأري من التاريخ.

ولعمري إن استعادة الخطاب القديم المتعلق بالصراع على السلطة ليس سوى نكوص تاريخي لا يليق بعربي القرن الحادي والعشرين، فبدل الاختلاف على المستقبل المتقدم الذي يحقق للإنسان حياة كريمة على المستويين المادي والمعنوي، يجري الاختلاف حول حق سلطة لم يبق أحد من المتصارعين عليه وعليها. والحق يقوم التدين الأيديولوجي في صورة أحزاب الله وأنصار الله والقاعدة وداعش وكل الحركات والأحزاب ذات الأيديولوجيات الدينية بعملية اعتداء على الإيمان الديني الشعبي وما يحمله من صفات سلم ومحبة وروحية وتسامٍ، وليس هذا فحسب بل ويلغي حيات الإنسان العصرية في هذا العالم الذي يتحول ويتغير بسرعة لا مثيل لها في التاريخ .

وليكن واضحاً لكل ذي بصيرة بأن الإيمان الشعبي لا يعرف إطلاقاً العنف سلوكاً، ولا يمكن للتدين الأيديولوجي أن يجر البسطاء الى العنف إلا إذا فقدت الحياة إغراءها من جهة، وانسدت سبل الخلاص من جهة ثانية. الخلاص من دكتاتوريات تفسد حياة الإنسان والشعور بالأمان فيجري استغلال واقعة كهذه من قبل الساعين الى أخذ السلطة غلاباً. ولهذا فإن الشرط الأول للحفاظ على الإيمان الشعبي بكل إيجابياته هو الحفاظ على الحياة حرة كريمة تستحق أن تُعاش. بل إن حياة العبودية والإفقار والاعتداء على الكرامة الإنسانية أمور معادية للإيمان الديني الشعبي. الإيمان الذي يجعل من الإنسان أشرف الكائنات ومالك الحق في الحياة السعيدة على هذه الأرض.