00
إكسبو 2020 دبي اليوم

دكتور.. زوجي يضربني

ت + ت - الحجم الطبيعي

طرقت الممرضة باب العيادة وطلبت إدخال المريض التالي. دخلت امرأة مع طفلها وكانت الشكوى ارتفاع حرارة الطفل. في أثناء معاينتي للطفل لاحظت تغير ملامح الأم . التفت إليها لكي اطمئنها أن طفلها بخير وسبب الحرارة التهاب بسيط, وإذا بها تنهمر بالبكاء وتقول بصوت أجش : « أنا المريضة وليس طفلي.. دكتور زوجي يضربني!!»

خلق الله الذكر والانثى لإعمار الأرض وعبادته. وجعل في كل منهما من الخصائص والصفات المميزة حتى يكمل كل منهما الآخر. وجعلت القاعدة الأساس لعلاقة الاثنين هي «المودة والرحمة».

أخذتني كلمات أم الطفل على حين غرة, وكنت على وشك ان اقترح عليها زيارة أخصائي اجتماعي لكن لم أفعل ذلك وشكرت ربي على تخصص طب الأسرة والذي يأخذ في الاعتبار المريض ليس من الناحية المرضية فقط بل ايضا النفسية والاجتماعية.

التفت إليها وطلبت منها إخباري المزيد، وبينما هي تسرد شكواها مررت بعجالة في ملفها الطبي وكانت الصاعقة. زيارات متكررة لأغراض مختلفة من صداع وألم ظهر وفي فترات متقاربة مع فحوصات كثيرة وبدون فائدة. يقول المثل : « إذا عرف السبب بطل العجب» إذا سبب كل هذا كان مرض العنف الزوجي.

يعتبر العنف الزوجي من الأسباب الرئيسة للأمراض النفسية من توتر وقلق واكتئاب. ولاننسى دوره الهام في إحساس المعاني بأوجاع وأعراض في شتى انحاء جسمه. ويعتبر اخطر من السرطان والايدز وذو تكلفة نفسية واجتماعية باهظة. والسؤال الذي يفرض نفسه: ماهو السبب الذي يدفع الرجل أو المرأة لاستخدام العنف ضد الآخر؟ وخصوصا الرجل في مجتمعاتنا ؟

عقد طفولة, اثبات ذات, استرداد كرامة, متعة, جهل, اياً كان السبب فلن يكون مقنعا. صحيح أن هناك العنف التأديبي والذي يستخدم بشكل مقنن وتحت ظروف وشروط خاصة جدا لكن مانشاهده ونسمعه من قصص وقضايا يدخل ضمن حلبات المصارعة والملاكمة.

تعتبر العلاقة الزوجية من أقدس العلاقات واللبنة الاساس لبناء مجتمع صحي ومبدع. التحدي يكمن عندما يتم التعامل مع هذه العلاقة كعقد مصلحة وفائدة. الرجل له طلبات خاصة ولايكترث لغيرها في مجمل العلاقة والمرأة لها احتياجات معينة فيكون تعامل الاثنين مع بعض مثل عربة تسوق الجمعية يأخذ كل منهما مايريد متناسين شمولية العلاقة وآثارها طويلة المدى. وفي غضون سنوات تبدأ الخلافات تطل برأسها حيث يصل الاثنان لحالة من الملل والرتابة في العلاقة. وبدل من ايجاد الحلول تدخل العلاقة لحلبة إثبات الذات والأنا.

علاقة ممسوخة , بعيدة كل البعد عن المودة والرحمة, مغلفة بأشواك العنف والتجريح. والملفت في الامر تمسك كل طرف بموقفه حتى آخر رمق دون حساب الاطفال في المعادلة ان وجدوا. ولنكن واقعيين وبالذات في مجتمعاتنا تكون الضحية في غالب الاحيان المرأة.

المرأه هي الأم , الزوجة, الأخت, البنت. وضعها الخالق عزوجل في بوتقة من العاطفة والحنان. وجعلها سكنا للرجل. لكن في حالات العنف الزوجي تكون هي محطة الاستقبال لأدوات التجريح والعنف وبالذات العنف الجسدي. الغريب في الأمر ان الرجل والذي يتفاخر في شتى المحافل بكمال عقله هو نفسه الذي يستخدم اسلوبا هو بعيد كل البعد عن العقل وأعني بالضرب والعنف الجسدي. تناقض ينم عن وجود مشكلة حقيقية في نضوج العقل وشمولية التفكير.

انتهت المريضة من شكواها وانفرجت أساريرها قليلا بعد أن أزالت من صدرها مااختلج فيه من الهموم والاحزان. وصفت لها جرعة من دواء « الصبر» وطلبت منها حضور العيادة متى ماشاءت وبينما هي خارجة جال سؤال في خاطري : « من هم نواقص العقل والدين ؟!!»

 

طباعة Email