00
إكسبو 2020 دبي اليوم

الخليجيون في كامب ديفيد: هل وصلت الرسالة؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

اسم كامب ديفيد يثير ذكريات وشجوناً في الذاكرة السياسية العربية. فهي ارتبطت بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي عقدت في هذا المنتجع. ومن بعدها قلبت صفحة في تاريخ المنطقة وبدأ تاريخ جديد. واليوم تعقد هذه القمة وهناك ترقب عالمي يتطلع هل تكون كامب ديفيد الجديدة بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والزعماء الخليجيين بداية لتاريخ سياسي جديد في المنطقة. وهناك من يراهن أن هذه القمة ستحدد المسار السياسي في المنطقة للمرحلة المقبلة.

ويشعر كثير من المسؤولين الخليجيين بأن واشنطن تحتاج أن تكون أكثر وضوحاً والتزاماً بشأن أمن الخليج. القضية التي يؤكدها الخليجيون أن الإشكالية ليست فقط في السلاح النووي الإيراني فحسب، بل في السياسة الإيرانية التي تقوم على التمدد في الفضاء العربي ودعم الميليشيات وتقويض الأمن الإقليمي العربي. وفي وجودنا هنا في واشنطن لمسنا شعوراً لدى السياسيين في واشنطن بأهمية نتائج هذه القمة وتبديدها لأقاويل وتقارير عن تراجع العلاقات الخليجية الأميركية.

وتبدو دول الخليج سياسياً بشكل مختلف بعد التكتل السياسي والعسكري الناجح الذي قادته السعودية في حرب عاصفة الحزم، وأظهرت بوضوح أن الخليجيين يرغبون في أن يضعوا شروطهم التي تستند أولوياتها إلى استقرار المنطقة، وشعورهم بأهمية أخذهم المبادرة بأنفسهم بدلاً من انتظار الغير. وأن الفكر السياسي الذي كان يقوم على تحفيز الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة لاتخاذ مواقف على الأرض لم يعد هو السياسة التقليدية لدول الخليج. وهذا تحول واضح في نوعية العلاقة بين الخليجيين والأميركيين.

والتباين بين دول الخليج والولايات المتحدة اتضح في أكثر من موقف، ففي سوريا كان التردد الأميركي مثار استهجان لدول المنطقة، وكذلك كان الموقف الأميركي في مصر بعد سقوط الإخوان المسلمين مفاجئاً لدول المنطقة..

واتضح الخلاف الجوهري بين الدول الخليجية والولايات المتحدة في الشأن المصري. وحتى في الملف اليمني كانت واشنطن تراقب التمدد الحوثي من صنعاء إلى أن وصل عدن وتعاملت معه بسلبية ولامبالاة، ما جعل السعودية تبادر بأخذ موقف استراتيجي قلب كثيراً من السيناريوهات التي كانت معدة وبدعم خارجي.

وهناك رغبة واضحة عند المسؤولين الخليجيين أن يكون الاجتماع مثمراً عن نتائج تغير الواقع على الأرض، فالتطمينات العامة والتصريحات الإيجابية لن تحقق الغرض ما لم يترجم هذا الاجتماع إلى استراتيجية واضحة تحدد مسار العلاقة والالتزام باتفاقيات مقننة وقوية.

الوضع في المنطقة غير مريح، فالحركات الإرهابية وانتشارها بل وتطورها إلى كيانات تحتل دول وتهدد الاستقرار في العالم والأوضاع الداخلية لكثير من الدول العربية وضعف النظام الإقليمي العربي، كل هذه الأمور مجتمعة جعلت المنطقة العربية تعيش أزمة صراع وجود مستمرة. ويحاول الخليجيون بحكم أنهم هم الذين لديهم منظومة سياسية فعالة ومؤثرة وهي مجلس التعاون الخليجي، أن يقوموا بمبادرات لحماية النظام الإقليمي العربي وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني في دول المنطقة.

وواشنطن عليها مسؤولية ليس فقط لاهتمامها بقضية الطاقة وضمان تدفق النفط وحماية مناطقه وممراته الدولية، بل أيضاً من جانب أمنى، فالعالم لم يعد جزراً معزولة، وانتشار الفوضى والإرهاب في منطقة لا يعنى أنه لن يصل إلى مناطق أخرى في العالم. فهناك عدوى الفوضى والإرهاب، وهناك مستفيدون من هذه الفوضى. ويبقى الملف الإيراني القضية الساخنة في هذه القمة.

ومن الخطأ أن يتم مكافأة إيران على مشروعها التوسعي بتسوية معها، واستخدام صفقة اتفاقية السلاح النووي كمبرر لإعطاء دور إيراني في المنطقة. ليس لأن إيران دولة غير مهمة وكبيرة في المنطقة، بل بالعكس فهي دولة مهمة ومؤثرة..

وقد كانت هناك رسائل من الخليجيين لإيران بأن تكون جزءاً من الحل في مشاكل في المنطقة باحترامها السيادة الداخلية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والابتعاد عن إقحام الطائفية في الصراعات السياسية. لكن إيران لم تستطع حتى الآن أن تغير ثوبها وفكرها لتتواءم مع هذا الواقع، رغم زخم التفاؤل الذي أتى مع وصول الرئيس الإيراني حسن روحاني للسلطة. والدليل هو تورطها في دعم الحوثي في اليمن في قفزة لجغرافيا جديدة وطموحات مسعورة، وهذا يتنافى مع العقلانية السياسية.

وهنا النقطة التي يرى الخليجيون أنها مربط الفرس وهي لجم التمدد الإيراني في المنطقة والاستناد إلى القانون الدولي في العلاقات بين الدول واحترام السيادة. فإيران أصبحت القاسم المشترك في أزمات المنطقة، سواء في العراق أو في سوريا أو في لبنان، وحالياً في اليمن. فالقضية إذاً ليست في منع إيران من امتلاك السلاح النووي، بل هي في منع إيران من ممارساتها السياسية التي قوضت مفهوم النظام الإقليمي العربي.

المبادرة بعقد هذه القمة تعتبر خطوة إيجابية من الإدارة الأميركية، وتعكس أهمية المنطقة في استراتيجيات السياسية الأميركية الخارجية، لكن عقد القمة خطوة والأهم هو ما يتمخض عنها من نتائج تؤكد الحقائق الأساسية في الأمن واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ونقل المنطقة من حالة الفراغ والفوضى إلى الاستقرار والتنمية.

طباعة Email