00
إكسبو 2020 دبي اليوم

ويلات أمة

ت + ت - الحجم الطبيعي

في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، كتب صحافي أوروبي زار لبنان، تقريراً قال فيه، إن اللبنانيين قد يختلفون على كل شيء، لكنهم يتفقون على جبران خليل جبران، الذي يمثل رمزاً وطنياً للبنان، وضميراً لكل اللبنانيين. وزاد بأن اللبنانيين من جميع الطوائف يتغنّون بأشعاره، وأبرز ما التقط ذلك الصحافي من قصائد جبران، هي قصيدته الشهيرة «ويلات وطن».

قصيدة النثر التي مما جاء فيها: «ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين، ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر. ويل لأمة تحسب المستبد بطلاً، وترى الفاتح المذل رحيماً، ويل لأمة لا ترفع صوتها إلا إذا مشت بجنازة، ولا تفخر إلا بالخراب».

لن يكون استنتاجاً عبقرياً، إن قلنا إن جبران نطق قبل أكثر من مئة عام بما نعيشه اليوم، بل إحساس ثقيل الوطأة سيشعر به كل من يقرأ القصيدة. وقبله كتب صحافي أوروبي آخر، أن «الموتى يحكمون لبنان». كان استنتاجاً توصل إليه عندما شاهد جدران بيروت (وقتذاك) زاخرة بصور وملصقات زعماء موتى خلال الحرب الأهلية.

ثمة تطابق صادم في تفاصيله مع وقتنا الراهن الذي نعيشه واقعاً، فنحن في أتون حرب مذهبية سافرة ومستترة. وصور جبران الشعرية ليست خيالاً، فما نلبسه دون أن ننسجه، وما نأكله دون أن نزرعه، وما نشربه دون أن نعصره، هو تشخيص لوضع اقتصادي قائم.

فمع غياب الزعماء ذوي الرؤى الوطنية، يغيب أيضاً الاقتصاديون من ذوي الرؤى. فأقصى ما يمكن أن يطرح من خطط للنهوض الاقتصادي في أكثر من بلد عربي، هو السعي للاعتماد على المانحين والقروض الخارجية. وقد يكون المخططون الاقتصاديون من ذوي الرؤى موجودين، لكن صوتهم غير مسموع، كما أن هؤلاء لا يمكن أن يعملوا مع زعماء سياسيين عاجزين عن ممارسة دورهم أبعد من حدود الطوائف أو المستثمرين أو تكتلات المصالح أو نخب حاكمة ربطت نفسها بالمنافع المتبادلة مع المستثمرين.

وتبدو نخب المستثمرين في كل بلد، والشعب نفسه دوماً في حالة انتظار، إما انتظار الحل من الحكومة أو من الخارج، فلا أحد مستعد لأن يبذل أي جهد أو مبادرة. لقد حوّلت هذه الذهنية مفاهيم أجيال من الناس إلى حالة من الشكوى المستمرة، مطالبات لا تنتهي في قضايا لا تنتهي، رئيسة وفرعية، عاجلة وآجلة، كبيرة وصغيرة. فأكثر ما يتردّد في كل بلد عربي على ألسنة الناس، هو المطالبة، وعلى ألسنة القطاع الخاص، هو المطالبة. مطالبات تبدأ من «رفع الوعي» إلى «تحسين الاقتصاد». هكذا تستمر فاتورة الاستيراد تتضخّم في كل شيء، من الغذاء إلى الكساء، وكل شيء تقريباً، وتبقى عجلات الاقتصاد والنمو بطيئة في اقتصادات غير منتجة في الغالب.

أما تمجيد المستبدين، فهو أمر نتذكره يومياً، كلما استلمت هواتفنا رسالة تمجد بعضهم، وتردد مقولات منسوبة لهم. وهذا قد يعيدنا لذلك الاستنتاج حول الموتى الذين يحكمون، لكن المعنى أكبر من ذلك، لأنه يشخص مشكلة أكبر وأعظم تأثيراً، لأنه يعني أننا لا نملك رؤية للمستقبل، بل نتمسك بحنين غير سوي لماض من القسوة والبطش والقسوة، ويتحمل مسؤولية كبرى عما آلت إليه الأمور.

ففي العراق، جاء خلفاء صدام حسن، ولم يصبحوا أحسن منه، فبعد أحد عشر عاماً على سقوطه، يعلنون استياءهم مما قيل إنه خطط أميركية لتقسيم العراق، ولم يعلموا أنهم وضعوا بذور التقسيم وأسسه منذ أن استلموا السلطة بمنطق المحاصصة الطائفية والهيمنة، لا الرؤية الوطنية الجامعة، وطبقوا ما قاله جبران (ويلٌ لأمة مقسمة إلى أجزاء، وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة) بحذافيره.

طباعة Email