00
إكسبو 2020 دبي اليوم

نمو بلا تنمية

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يمكن أن ينكر أحد أن مستوى المعيشة في مصر الآن، أعلى بكثير جداً مما كان منذ مئتي عام. نحن نشكو بحق من فشلنا في تحقيق التنمية المنشودة، ولكن هذا لا يتعارض مع الاعتراف بأن مستوى المعيشة (حتى لدى أفقر الشرائح الاجتماعية في مصر) يفوق بكثير ما كان عليه منذ قرنين. إني أتكلم عن متوسط الدخل الحقيقي للفرد الواحد وليس عن الدخل الإجمالي، إذ إن هذه الزيادة في متوسط الدخل اقترنت بتضاعف حجم السكان خلال هذين القرنين أكثر من عشرين مرة.

لقد قمت مرة بمحاولة تقدير حجم الزيادة في متوسط الدخل الحقيقي في مصر (الحقيقي بمعنى زيادة ما يحصل عليه المرء من سلع وخدمات ليس مجرد ما يحصل عليه من نقود)، خلال القرنين التاليين لمجيء الحملة الفرنسية إلى مصر، فوصلت إلى تقدير تقريبي مؤداه أنه قد تضاعف خلال هذين القرنيين نحو ثماني مرات.. وهو ما يتفق مع ما نعرفه عما أصبح عليه نمط الحياة الآن بالمقارنة بما كان عليه في أواخر القرن الثامن عشر.

لقد وجد الفرنسيون، عندما جاءوا إلى مصر في 1798 أنه من بين كل ثلاثة من المصريين كان هناك شخص بعين واحدة، وأن هناك شخصاً فاقداً للبصر فقداً كاملاً من بين كل عشرة من المصريين.

فلا شك إذن أننا قد أحرزنا تقدماً عظيماً خلال القرنين الماضيين، رغم كل شيء: الاستعمار والحروب والأوبئة والديكتاتورية...الخ، لكنه كان تقدماً كبيراً من حيث النمو، وليس من حيث التنمية. وقد حاولت في مقالي السابق بهذه الجريدة (27/4) أن أبين الفرق بين الاثنين: الأول ينطوي على زيادة الدخل، ولكن الثاني ينطوي على زيادة القدرة الإنتاجية، وقد نجحنا في الأول ( كما كان لابد أن يحدث)، ولكننا فشلنا للأسف في الثاني، فبقينا دولة «متخلفة»، بالمقارنة ببلاد أخرى، بما في ذلك بلاد لم تكن أفضل حالاً منا منذ خمسين أو ستين عاماً. فكيف نفسر هذا الفشل؟

* * *

من استعراض تطور الاقتصاد المصري خلال القرنين الماضيين يمكن أن نقرر باطمئنان ان مصر، رغم استمرار نمو الدخل تقريباً بلا توقف، بين فترة وأخرى، لم تمر بتجارب في التنمية الاقتصادية إلا في أربع فترات، وكان مصيرها كلها التوقف أو الإجهاض، إما بسبب تدخل سافر صريح من قوى أجنبية (كإجهاض تجربة محمد علي في 1840، وإجهاض تجربة عبد الناصر في 1967)، أو لأنها قامت في ظل الاحتلال الأجنبي فلم يقدر ليها التحول إلى تنمية شاملة (كقيام الإنجليز بالتوسع الزراعي خلال الثلاثين عاماً التالية لبدء الاحتلال، وقيام طلعت حرب بمشروعات التنمية الصناعية في الثلاثينيات من القرن الماضي).

لقد شهدت مصر فترتين أخريين من الرخاء النسبي خلال عهد الخديوي إسماعيل وأنو السادات، ولكن نمو الدخل في الحالين لم يقترن بتنمية القدرة الإنتاجية على أي نحو ملموس، بل اقترن بزيادة الاستهلاك البذخي والمظهري، والممول بقروض من الخارج باهظة التكاليف، فترك كل منهما مصر وأحوالها الاقتصادية أسوأ مما كانت عليه عندما تسلم الحكم.

ليست هناك إذن مبالغة في القول بأن مصر لم تمارس «التنمية الاقتصادية» على أي نحو جدي منذ 1967، أي طوال ما يقرب من خمسين عاماً. نعم شهدت مصر في السبع سنوات السابقة مباشرة على ثورة 2011 (حكومة أحمد نظيف:2004 -2011) ما جعل الحكومة تفاخر بتضاعف الاستثمارات الأجنبية، لكن معظم هذه الاستثمارات ذهبت إما إلى شراء أصول موجودة بالفعل، أو إلى قطاعات كالبترول ضعيفة الأثر في زيادة القدرة الإنتاجية، ومن ثم تفاقمت خلال هذه الفترة كمشكلة البطالة وازداد توزيع الدخل سوءاً.

* * *

مما يمكن استفادته من استعراض تجاربنا الاقتصادية السابقة أنه في كل فترة من الفترات التنمية (أي التي زادت فيها القدرة الإنتاجية زيادة ملحوظة) كانت القرارات الاقتصادية مصحوبة دائماً بخطة تنبع من رؤية واضحة لما هو مطلوب وكانت هناك خطة ورؤية حتى في التجارب التي تمت لي ظل الاحتلال الأجنبي، فمحمد علي، حتى قبل أن يستخدم أحد كلمة التخطيط، كانت لديه خطة ورؤية واضحة لما يريد الوصول إليه من تنمية الاقتصادية، وكذلك كان عبد الناصر، وكذلك كانت جهود طلعت حرب في التصنيع، كذلك كانت جهود الإنجليز في التنمية الزراعية في مصر.

ويهمني الآن الهدف النهائي من هذه الخطط: هل كان هدفاً يتعلق بالمجد الشخصي، كما كان الحال في حالة محمد علي، أم كان هدفاً عاماً لصالح الاستقلال الوطني، كما كان في حالتي طلعت حرب وعبد الناصر، ولصالح بريطانيا، بتزويد مصانعها بالقطن المصري. الذي يهمني الآن هو ضرورة وجود خطة أو رؤية، ولكل هذا هو أهم ما نفتقده الآن في سياستنا الاقتصادية.

طباعة Email