للعام الرابع على التوالي تنفرد وتتفرد الإمارات بالمركز الأول في قائمة الدول المفضلة للشباب العربي للعيش والإقامة، فضلا عن كونها النموذج التنموي الناجح كما يراها الشباب العربي، وذلك وفقا للاستطلاع الذي أجرته الشركتان الدوليتان (أصداء بيرسون مارستيلر) و(بين شوين بيرلاند)، والذي اشتمل على 16 دولة عربية.
ولا شك أن هذا الاستطلاع يكشف بجلاء عن جوانب يجب دراستها والوقوف أمامها وتأملها، لا لنفخر بها فحسب، وإن كان الفخر هنا أمرا واجبا ومحمودا، والاعتزاز بهذه النتيجة وما تحملها من أبعاد ليس فقط على مستوى شعب وأبناء الإمارات ولكن على مستوى عالمنا العربي الغارق في الصراع، والذي علت فيه أصوات الرصاص، وغابت فيه أصوات المصانع، كما ارتفع فيه الصراخ، وتوارى فيه الفكر، وصار فيه البأس بين أبناء الوطن الواحد أقوى من البأس على أعدائه، ومصالح الأفراد سبقت مصالح الشعب.
علت بين أبناء أمتنا العربية أصوات الفرقة والانفصال بين شركاء الوطن الواحد والبيت الواحد، وغابت فيه دعوات الوحدة والترابط، عالمنا العربي الذي استشرى فيه الهدم وانعدم فيه البناء وصار أبناء الوطن الواحد أشد على بعضهم من اعدائهم، مجتمعنا العربي الذي سدت فيه الآفاق أمام الشباب وسدت الأبواب، إلا باب الصراع، فولجوه حتى صار العنف والقتل حرفة يتكسب بها البعض لحساب البعض.
كما أن ضوءاً في آخر النفق المظلم لم يظهر ليمني به أبناء أمتنا أنفسهم في غد أفضل، أو أن شمس النهار ستأتي يوما لتزيل عتمة الليل الذي خيم عليهم، هنا يمد شباب أمتنا أبصارهم خارج حدود أوطانهم لنموذج يمكن أن يعطيهم أملا في المستقبل لتطلع عليهم إمارات الخير والنماء، إمارات العطاء والحب، إمارات العمل والجهد، إمارات الوحدة والترابط، إمارات الأمل في أن هناك نموذجا يمكن أن ينهل من تجربته كل الراغبين في بناء أوطانهم، ومن روح اتحاده كل الراغبين في الحفاظ على سلامة ووحدة أراضيهم، ومن محبة الشعب لقيادة كل الباحثين عن الطريق إلى التوافق بينهم وبين المنوط بهم حمايتهم وتلبية حاجتهم، فإذا بهم يمطرونهم ببراميل الموت، وإذا بمن وجب عليه توفير الطعام والكساء يترك مواطنيه يعانون قسوة البرد ولفح الهجير وشح الطعام ونقص المياه.
لذا فإن نتائج هذا الاستبيان ليست مجرد أرقام ومعلومات، ولكنها تكشف بجلاء أن شباب أمتنا العربية يعون أين مصلحة وطنهم، كما يرغبون بصدق في أن يحيوا حياة كريمة مستقرة ينعمون فيها بإنسانيتهم وكرامتهم. إن القيمة الكبرى من هذه النتائج تأتي من طبيعة العينة وهم الشباب.
حيث أجريت على 3500 من الشبان والفتيات من الفئة العمرية بين 18 إلى 34، أي أن هذه نتيجة رؤية أهل المستقبل وأصحاب الغد وقادته، كما أنها تعكس بجلاء أن شباب أمتنا يصوتون للتنمية والاستقرار وتتجه بوصلتهم إلى حيث يكون النماء والكرامة، كما زهرة العباد تتجه حيث يكون ضوء الشمس، وأن رؤيتهم لم تتوقف عند حد الإعجاب، ولكن رغبتهم في الإقامة على أرض الإمارات وتلك شهادة أخرى.
فقد يعجب الفرد بنموذج تنموي ولكن لا يستطيع أن يكون جزءا منه، أما في حالتنا فإن ذلك يعني أن البعد الاجتماعي والبيئة المواتية لم تكن بعيدة أو منسية، وأن التطور في الإمارات لم يكن تطورا في الحجر، ولكن كان الإنسان بروحه وحياته، وإن شئت وسعادته، جزءا أصيلا وغاية كبرى للتنمية والتطور، فهو صاحبها ومنفذها والضامن لها والمنتفع بها، لذا فهي عملية شاملة ومتكاملة.
إن نتائج هذا الاستفتاء يرسخ أن تجربة الإمارات التنموية رغم وطنيتها إلا أنها تخطت حدودها وصارت نموذجا إقليميا يود شباب أمتنا الاحتذاء به، والإمارات بذلك تقدم خدمة جليلة لشباب أمتنا في أن ما يحلمون به يمكن تحقيقه، وان تحقيقه ليس مستحيلا، والشاهد هو ما يتحقق أمامهم بنموذج الإمارات.
كما أن تجربة الإمارات تعكس أهمية القيادة بإعطاء الأمل وليس تكريس الإحباط، إن ما تحقق على أرض الإمارات لم يكن ليتحقق فقط لأنها تملك الموارد المالية الأكبر، لأن هناك من يملك مقدرات الإمارات الاقتصادية، لكن سر التجربة يكمن في قيادة تحرص على إعطاء الأمل في أن الغد أفضل، قيادة تمنح شباب وطنها الثقة بالنفس والقدرة على التميز والإنجاز، حتى أنه لم يعد للعمل التقليدي مكان، السر هو قوة الإرادة وليس إرادة القوة والبطش، إن غلق أبواب الأمل في وجه الشباب يفتح أمامهم أبواب العنف ويجعلهم عرضة للتأثيرات في عالم تتجاذبهم فيه مختلف التيارات.
إنها ليست المرة الأولى التي تتوج فيها الإمارات كدرة تاج أمتها العربية، ليس من قبل أبنائها فحسب، بل من أبناء الوطن العربي وشبابه، بل الثانية والثالثة والرابعة، وهو استفتاء إقليمي على أن الإمارات قد عرفت طريقها، وأن التنمية التي تتحقق على أرضها تسير وفق خطوات ثابتة، تتأكد كل يوم، ذلك أن الحفاظ على القمة لمدة أربعة أعوام أصعب بكثير من الوصول إليها، وإن العمل القائم على الرؤية والتخطيط هو الطريق إلى الرفاه الاجتماعي وسعادة الشعوب.