لا تترك إسرائيل فرصة أو حدثاً أو مناسبة تمر، إلا لتؤكد ولايتها ومسؤوليتها عن كل يهود العالم، سواء الخاضعين لسيطرتها في الداخل أو المقيمين في الخارج، وتتاجر دوماً الحكومات الصهيونية بهذه المسألة لتحقيق أقصى قدر ممكن من الاستفادة والمكاسب.

تبدى ذلك في مناسبات عديدة، خاصة في الحوادث أو الكوارث التي يكون فيها طرف يهودي، مثلما حدث في عمليات تفجير ملاهي ليلية أومنشآت يهودية في أوروبا أو الأرجنتين خلال القرن الماضي، أو حتى أحداث شارل إيبدو الأخيرة في باريس، حيث اعتبرت نفسها مسؤولة مباشرة عن حماية حقوق «الضحايا»، ومتابعة التحقيقات على كل الصعد.

وهناك من اليهود الذين يقيمون خارج إسرائيل، من يحرصون على الاحتفاظ بجنسيتهم المزدوجة، فيسهلون مأموريتها في إعلاء راية الدفاع عن اليهود في كل بقاع الأرض، أياً كانت جنسيتهم الأصلية.

وخطورة تلك الممارسة، أنها تخلط المواطنة بالديانة، لتتحول الديانة إلى مواطنة، وفي ذلك خطر جسيم، ليس على السلامة الوطنية الداخلية للدول فحسب، ولكن على العلاقات الخارجية، وكذلك السلم والأمن الدوليين، وذلك ببساطة، لفتح أبواب التدخل في الشؤون الداخلية للدول على مصراعيها.

ولعلنا نعيش هذه المأساة الكبرى بشكل فج في منطقتنا العربية هذه الأيام، بعدما أصبحت النبرة الطائفية والمذهبية هي المهيمنة على معظم صراعات المنطقة، وربما جميعها، ولعل الأبرز في ذلك، هو بلوغ التدخلات الإيرانية حداً غير مسبوق تحت مظلتها المذهبية، مستغلة وجود مجموعات شيعية ليست بالقليلة في عدد من الدول العربية.

فالتمدد الإيراني بات واضحاً في سوريا والعراق ولبنان، أما في اليمن، فقد أدى إلى واقع كارثي، وضع البلاد في أتون حرب أهلية وإقليمية، وجعلها مرشحة لتفجير المنطقة بكاملها، وهنا، تصرفت إيران في تعاملها مع شيعة المنطقة بنفس المنطق الإسرائيلي، حيث اعتبرت نفسها صاحبة الولاية على الشيعة في كل أصقاع الأرض، فأسقطت القومية والوطنية والحدود، وباتت تدخلاتها السافرة سبباً في كثير من الكوارث بالمنطقة.

هذه مسألة تبعث على الأسف، أن تكون تلك سياسات دولة جارة، كان ينبغي أن تعمل على دعم الأمن والسلم في المنطقة، ولكن المؤلم أكثر، أن فئات أو مجموعات عربية تعيش على الأراضي العربية، سهلت لإيران مهمتها، ومنحتها الفرصة للتدخل في الشئون العربية، الحوثيون وحزب الله أبرز النماذج، فتصرفت على أسس مذهبية، وليس على أرضية وطنية، واعتبرت طهران قبلتهم وولايتهم تحت عباءة المرشد الأعلى.

وقد يكون من المناسب هنا، عرض واقعة من التاريخ القريب، قد تسهل من طرح فكرة هذه السطور، ففي منتصف عام 2006، أدلى حسني مبارك رئيس مصر السابق، بحديث لقناة العربية الفضائية، وكان غالباً مع الإعلامية اللبنانية جيزيل خوري.

يومها، أثار مبارك حملة غضب شيعية غير مسبوقة، أغلب الظن أنها كانت الأولى من نوعها ضد رئيس مصري، فقط لأنه قال في الحوار، إن الشيعة المقيمين خارج إيران، لا يتصرفون على أسس المواطنة أو انطلاقاً من قاعدة وطنية، وأن ولاءهم المذهبي له الغلبة على ولائهم لأوطانهم الأصلية.

عاصفة الشيعة على مبارك، الذي كان يضرب مثلاً بخطورة المسألة المذهبية على الأوطان، انطلقت من شيعة إيران والعراق ولبنان ودول عربية أخرى، واتهموا وقتها الرجل بالسطحية وعدم المعرفة.

ولكن حقيقة الأمر، أن التطورات التي تعيشها الأمتان العربية والإسلامية، منذ أحداث الربيع العربي تحديداً، باتت في أمس الحاجة إلى إعادة قراءة تصريحات حسني مبارك وتحليلها بأثر رجعي، فالأحداث المفجعة في العراق واليمن ولبنان وسوريا والممارسات الإيرانية، تكشف أن الأسس الطائفية والمذهبية، تلعب بالفعل الدور الأخطر في تفجير الأوضاع الداخلية لدول المنطقة، سواء بتدخلات خارجية، من إيران تحديداً، أو بانصياع أطراف داخلية لتلك المخططات.

واتضح أنهم بالفعل يتصرفون على أسس مذهبية، وليس على أرضية وطنية، وممارسات الحوثيين في اليمن وميلشيات الحشد الشعبي الشيعية في العراق وحزب الله في لبنان وجماعات المعارضة الشيعية في البحرين، من الواضح استنادها إلى أسس مذهبية، تعد بوابة واسعة لاختراقات إيرانية للأوطان العربية. واتضحت تلك الحقائق عند أول اختبارات حقيقية لها.

ولسنا هنا بصدد التقليل من قيمة مذهب أو طائفة أو جماعة، فلهم جميعاً كل الاحترام والتقدير، ولكن الحديث عن غياب البعد الوطني في الدفاع عن القضايا والمطالب الخاصة، وإثارتها على أسس مذهبية وطائفية، فتزداد الانقسامات والخلافات إلى حد الاحتراب الأهلي.