تأتي زيارة رئيس الوزراء العراقي د. حيدر العبادي إلى واشنطن بدعوة من الرئيس الأميركي أوباما في سياق بحث العلاقات الأميركية العراقية التي تزايدت التباساتها في الآونة الأخيرة خاصة مع بدء العمليات العسكرية لتحرير محافظة صلاح الدين من سيطرة تنظيم داعش.
العبادي بحاجة إلى تبيان موقفه بوضوح من الإشكالات التي بدأت بها تلك الحرب حيث تجاهلت حكومته الولايات المتحدة ولم تطلب مشورتها أو الإشتراك فيها وهي زعيمة التحالف الدولي لمحاربة «داعش».
إلا أن الفشل في تحرير مدينة تكريت فجّر الخلافات بين قيادات الجيش التي وجدت حاجة إلى إشراك التحالف الدولي في العملية وبين قيادات الحشد الشعبي التي لا ترقى رؤاها إلى المستوى الذي يتناغم مع إستراتيجيات مواجهة «داعش»، والتي أصرّت على استبعاد التحالف الدولي.
العبادي أصبح على قناعة تامة بعد تحرير تكريت بأن مفاتيح اللعبة في العراق لا تزال بيد الولايات المتحدة، وأن عليه أن يضع الأمور في نصابها وأن هناك ما ينبغي عمله لترميم العلاقة مع واشنطن التي يرتبط العراق معها باتفاقيات إستراتيجية، لذلك حرص على تعزيز مقبوليته لديها قُبيل سفره عبر إتخاذه إجراءات منها وضع الحشد الشعبي تحت قيادته، وزيارة أربيل ولقاء رئيس إقليم كردستان.
وإحالة 300 ضابط من المليشيات التي أدمجت بالجيش في فترة سابقة، على التقاعد في خطوة نحو إعادة التوازنات التي ترغب واشنطن في أن تراها، كما كانت زياراته لعواصم عدة دول عربية تصب في الاتجاه نفسه.
هناك أحداث خطيرة قد تكون مفصلية في تأريخ منطقة الشرق الأوسط وقعت أخيراً، أولاها انطلاق عاصفة الحزم في السادس والعشرين من مارس المنصرم، وثانيها التوقيع على اتفاقية لوزان بين إيران ودول «5 1» لوضع حد للطموحات النووية الإيرانية.
فمع تفجر الصراع في اليمن وانطلاق عاصفة الحزم، بدأت التوازنات السياسية والعسكرية تأخذ منحى جديداً، إذ لم يعد من الصعب رصد التغير الذي طرأ على لغة التصريحات الأميركية حول العلاقة بين إيران والعراق التي اتخذت منحى تصعيدياً في حين كانت الولايات المتحدة تتحاشى الدخول مع إيران في مناوشات إعلامية قبل هذه الحملة.
جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي صرح في العاشر من أبريل الجاري بأن «العراقيين لا يريدون أن يكونوا دمى في يد إيران».
والرئيس الأميركي أكد في الخامس عشر من الجاري في معرض تطرقه إلى أن الدور الإيراني في العراق كان محور المحادثات مع رئيس الوزراء العراقي «إنه يجب على المقاتلين الأجانب في العراق احترام سيادته عندما يقدمون المساعدة في القتال ضد تنظيم داعش»، وهو كلام قد يكون موجهاً للعبادي قبل أن يكون موجها لإيران.
وها هو العبادي في السابع عشر منه وعلى هامش زيارته للولايات المتحدة يتماهى مع الشعور الوطني العام في العراق، داعياً إيران إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية العراقية مشيراً إلى أن كل شيء «يجب أن يمر من خلال الحكومة العراقية».
الولايات المتحدة لها حساسية خاصة من إشراك الحشد الشعبي في العمليات المقبلة خاصة بعد ثبوت حصول انتهاكات قامت بها بعض المليشيات المنخرطة ضمن هذا الحشد في المناطق المحررة من «داعش».
من جانب آخر هناك قيادات في الحشد غير راغبة في مشاركة الولايات المتحدة في المعارك التي تخوضها، كما حصل في معارك صلاح الدين. هذا التعارض يشكل مأزقاً على العبادي أن يواجهه بوصفه صاحب القرار لأنه القائد العام للقوات المسلّحة.
نقول إنه مأزق لأن العبادي في ضوء التوازنات السياسية القائمة قد لا يكون قادراً على تجاهل موقف بعض المليشيات القوية المشاركة بالحشد دون أن يجازف بمركزه، وغير قادر في الوقت نفسه على الاستغناء عن الدعم الأميركي الأكثر أهمية في حسم المعارك دون خلق حساسية من أهالي هذه المناطق.
العبادي لن يتمكن من إدامة التوازن، هذا فكلا الطرفين يرفضانه لأن زمن التوافق الأميركي الإيراني الذي سمح لسلفه المالكي بتولي رئاسة الوزارة للمرة الثانية قد ولى، ولا بد للعبادي أن يحسم موقفه وقد فعل.
ومع أنه قد لا يتمتع بدعم كافٍ داخل حزبه، حزب الدعوة، أو داخل كتلة «دولة القانون» التي ينتمي إليها حزبه وربما داخل التحالف الأوسع، إلا أنه من جانب آخر لن يعدم دعماً قوياً من سائر القوى الأخرى في العراق، إضافة إلى الدعم الإقليمي والدولي الذي أتى به لمنصب رئاسة الوزراء.
بقي أن نرى على أرض الواقع فيما إذا كان ما صرح به د. العبادي في واشنطن سيتعزز بإجراءات لا تترك شكاً في جديته أم أن هناك مساحة للتراجع عنها؟