زمان كنا نشعر بالخجل عندما لا نعرف اسم رئيس ساحل العاج أو كولومبيا أو نيكاراغوا. ونخجل اكثر حين لا نعرف ان نحدد خارطة بوركينا فاسو او الارجنتين او قرغيزيا. زمان، اقصد عندما كانت الارض تقف على قرنين، القرن الغربي بزعامة الولايات المتحدة والشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي.

ومنذ انهيار الثاني وهيمنة الأول على العالم تغيرت أسماء رؤساء وخرائط دول، دول لم تعد دولاً، واختلط الحابل بالنابل. موسكو لم تعد عاصمة الاتحاد السوفييتي بل عاصمة جمهورية روسيا وهي واحدة من سبع عشرة جمهورية كانت تشكل الاتحاد.

لم يعد ثمة شيء اسمه حلف وارسو واقتربت زعيمته موسكو من حلف الناتو المعادي ومعها دول الكتلة الاشتراكية التي لم تعد اشتراكية ولا دولاً بل بقايا دول تستجدي المعونات الاقتصادية من الدول الرأسمالية التي عادتها سبعة عقود من الزمن، ولتدفع الشعوب من قوتها وقوتها وكرامتها ثمن أخطاء الساسة وربما خطايا التاريخ أيضاً.

من كان يصدق أن يرى رئيس أميركا ورئيس كوبا الخاصرة الضعيفة للولايات المتحدة التي رفع عليها السوفييت العلم الأحمر وزرعوا فيها الاشتراكية والصواريخ و.. فيدل كاسترو، وأن يصافح راؤول كاسترو شقيق فيدل ورفيقه ووريثه؟ ويعلن في قمة الأميركتين التي عقدت في بنما مؤخراً أن تغيير ساسته تجاه كوبا والتقارب الجاري الآن نقطة تحول تاريخية في المنطقة بأكملها «إن كوني أنا والرئيس كاسترو جالسين هنا اليوم يشكل حدثاً تاريخياً».

ومن جهته دعا كاسترو الذي كان بدا نقيضاً لشقيقه فيدل ذي اللحية الكثة الطويلة والبدلة الكاكي والعيون الثورية والقامة الجيفارية، الى رفع الحظر الأميركي المفروض على بلاده منذ العام 1962، وشطب كوبا من لائحة الإرهاب.

العالم الآن في مرحلة حرب باردة جديدة، ولكن بمواصفات وعناصر أكثر تعقيداً وخطراً على العالم، مقارنة بسابقتها التي انتهت قبل ربع قرن، قوامها البروباغاندا المعتمدة على وسائل وتقنيات بالغة التطور والتأثير، وعلاقات سياسية ودولية معقدة ومشحونة ومتوترة الى أقصى الدرجات، وسباق تسلح محموم على الارض وفي الفضاء، واستخدام أساليب ضغط موجعة، من خلال الحصار والعقوبات في المجالات الاقتصادية والمالية، وقطاعات الطاقة والصناعات الحربية والاستراتيجية.

وما يزيد الأمور خطورة ورعباً أن الحرب الباردة، بنسختها الجديدة، غير مقيّدة كسابقتها بأية اتفاقيات أو معاهدات بعد انهيارها منذ عهد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن.

عالم اليوم يعيش حالة الاستقطاب والاصطفافات الدولية الجديدة، وانتهاءً لحالة هيمنة القطب الواحد، يرافقها توتر ومواجهة وسباق تسلح منفلت من أية ضوابط أو كوابح، مما يشكل تهديداً حقيقياً للبشرية وحضارتها بالفناء.

ولا بديل عن هذا الواقع الدولي المأزوم حد الانفجار سوى تحمل الدول العظمى والشعوب الحية وقواها العاقلة، لمسؤولياتها في وقف الانزلاق نحو الهاوية التي لا قرار لها، والعمل الجاد، وضمن قيم الحق والشرعية الدولية، لكبح جماح المواجهة والصراع، وصولاً الى علاقات أممية جديدة في عالم أكثر عدلاً واماناً ورخاءً.

ما نصيبنا نحن العرب من التحول التاريخي الذي يجري الآن في العالم؟ عالم يغرز فيه القرن الواحد مصالحه الخاصة في بطون الفقراء الذين لا حول لهم ولا زعامات ولا دولا؟

لقد أكل العرب عشب الربيع السام فأصيبوا بالغثيان القومي والضياع الأممي. وتكالبت عليهم الوحوش من كل حدب وبر وبحر. وتتحرك الأحداث في المنطقة العربية بسرعة جنونية، بحيث لا تترك مجالا كافيا للتدبير والتصرف سواء بالنسبة للسياسيين أو المخططين أو صناع القرار.

ويوما بعد يوم تتكشف مواطن الضعف والهشاشة في مفاصل الدولة العربية. إن القتل والتدمير والتطرف والإرهاب تقع الآن وبشكل متواصل في أكثر من سبع دول عربية، وراح ضحيتها حتى الآن أكثر من مليون شخص، إضافة إلى مئات الآلاف من المرافق والمساكن التي تتساقط يوما بعد يوم.

لقد عملت الحركات التي تدثرت بأغطية دينية على إضعاف الروح الوطنية، حين كانت تشيع على مدى عشرات السنين «أن الوطن هو العقيدة والدين، كما يفهمونه هم، وليس الإنسان والبلاد والتراب، وأن الدولة هي دولة الخلافة وليس الوطن ذاته».

وعملت الحركات التي رفعت شعارات القومية على «استصغار شأن الدولة الوطنية، والحكم المسبق عليها بالموت والتبعية، مقابل التغني بالدولة القومية غير القائمة».

ثمة طريق ثالث يمكن أن يسلكه العرب في هذا المفصل من التاريخ. طريق لا شرقي ولا غربي بل عربي بكل ما أوتي العرب من ثروة وتاريخ ودين و... مجد ذابل!