ما زال خبر استقالة 400 معلم، أغلبيتهم مواطنون، الذي نشر يوم الثلاثاء الماضي في «البيان»، يحتل مركزاً متقدماً في قائمة «الأكثر تعليقاً» على موقع «البيان» الإلكتروني، فقد استقطب الخبر عدداً كبيراً من التعليقات أغلبها، إن لم يكن كلها، من قبل معلمات ومعلمين عاملين في الميدان.

وهي تعليقات جديرة بأن يضعها المسؤولون عن قطاع التربية والتعليم في الدولة تحت المجهر، وألا يعتبروها مجرد فضفضة، يمرون عليها مرور الكرام، فهي تستحق الدراسة لأنها تعطي مؤشراً عن موقف العاملين في سلك التدريس من المهنة التي ينتمون إليها، وعدم رضاهم عن أوضاعهم، ونحن في دولة تسعى جميع مؤسساتها إلى تحقيق الرضا الوظيفي، وتعتبره مؤشراً مهماً لمدى نجاح القيادات الإدارية، ومدى سلامة بيئة العمل، أو تردي الأوضاع فيها.

اللافت في الخبر هو الاختلاف الكبير في تبرير ازدياد الاستقالات بين المعلمات المستقيلات والمسؤولين في وزارة التربية والتعليم، فقد عزا عدد من المعلمات اللواتي قدمن استقالاتهن خلال شهري فبراير ومارس الماضيين أسباب الاستقالة إلى زيادة نصاب الحصص، وقصر إجازات نهاية العام الدراسي الناتجة عن طول مدة الدراسة التي تسعى الوزارة لزيادتها إلى 175 يوماً، وطول اليوم الدراسي خلال السنوات المقبلة، فضلاً عن الأعباء الواقعة على عواتقهن وتدني الرواتب، بينما أرجعت الوزارة أسباب الاستقالات إلى التقاعد، والانتقال من منطقة سكنية إلى أخرى، والظروف الصحية، في حين حذرت قيادات تربوية من غياب قيادات الصف الثاني في الوزارة، بسبب ندرة المعلم المواطن.

 

«بيئة طاردة» هو العنوان الأنسب، الذي يمكن وضعه لأسباب الاستقالات، وهو الوصف الذي أطلقه أحد مديري المدارس في الشارقة على الميدان التربوي، معتبراً الحديث عن الأسباب مضيعة للوقت، ومستشهداً بما قاله نائب مدير جامعة الإمارات لشؤون الطلبة والتسجيل، خلال منتدى الخليج العربي الذي عقدته الوزارة، عندما صرح بأن عدد الدارسين في كلية التربية بعد خمس سنوات سيصل إلى صفر، وأن آخر معلم من الذكور تم تخريجه في الكلية كان قبل سبع سنوات! في حين أكد وزير التربية والتعليم أن الوزارة ابتكرت نظاماً جديداً يعمل على توفير العدد اللازم من المعلمين بشكل مستمر، من خلال فتح باب التوظيف طوال العام، وتعيين المعلمين حسب حاجة المدارس.

مع كل الاحترام والتقدير لقرارات وزارة التربية والتعليم، نقول إن الحل ليس في الإحلال، وإنما في المحافظة على الذين اكتسبوا قدراً من الخبرة والمهارة من الصعب تعويضه، فليس من الحكمة أن نخسرهم، وهذا الحل لا يعالج المريض، وإنما يدخله غرفة الإنعاش لإطالة فترة مقاومته للمرض، فالمعلمون الذين سيتم توظيفهم عبر النظام الجديد سيحتاجون وقتاً كي يكتسبوا الخبرة والمهارة المطلوبة، وسيجدون البيئة الطاردة نفسها، التي ترك بسببها من سبقوهم إلى الميدان، وسيعانون من المشكلات نفسها التي عانى منها الذين دخلوا الميدان، وخرجوا منه قبلهم، وسينتهزون أول فرصة يجدونها أمامهم للهروب هم أيضاً إلى ميادين أخرى، وستكون كليات التربية قد أغلقت أبوابها حينها، فلا نجد من المواطنين من يعوضهم.

علينا أن نعترف أن عدداً كبيراً من الذين يتجهون للعمل في التدريس يعتبرونه محطة، يبحثون خلالها عن وظائف أخرى، حتى إذا ما توفرت لهم فرص في مكان آخر تركوا الميدان، واتجهوا إلى ذلك المكان، لتعود الوزارة تبحث عن من يسد الفراغ الذي تركوه.

إن نظرة سريعة إلى قائمة التعليقات الواردة على موضوع الاستقالات في موقع «البيان» الإلكتروني، تجعلنا نلمس حجم المعاناة التي يعيشها العاملون في هذه المهنة، فمن بين كل التعليقات التي على الموقع ليس هناك تعليق واحد يؤيد وجهة نظر الوزارة، أو يختلف مع المعلمين المستقيلين، بل إن الكثير من المعلقين يضيفون إلى الأسباب التي ذكرها المستقيلون مبررات أخرى، حيث تقول إحدى المعلمات، بعد أن تضم صوتها إلى أصوات المستقيلين، إنها تفكر في الاستقالة، رغم أنها حائزة جوائز تميز تربوية، وحاصلة على تقدير يفوق التوقعات بشكل ملحوظ، ولكن لديها قناعة كبيرة أنها لو بقيت في وزارة التربية والتعليم ستتدهور صحتها كثيراً، بسبب الأعباء غير الطبيعية الملقاة على كاهل المعلمين، وستدفع أسرتها وأطفالها الثمن غاليا.ً

وتضيف أنها تكمل حالياً الدراسات العليا بجهد شخصي، لم تقدم لها فيه الوزارة أي دعم، بحجة أن تخصص اللغة لا تفرغ فيه، كما أن مستوى أسبوع تدريب المعلم لم يضف لها أي جديد، بل كان عبئاً ثقيلاً على كاهلها ومضيعة لوقتها، وكما هو معلن، فإن القادم لا يبشر بخير، بل الوضع سيزداد سوءاً، على حد تعبيرها، إضافة إلى الراتب المتدني، الذي لا يعادل تعب المعلم، فطالب الثانوية العامة يتخرج، ويحصل على وظيفة يكون راتبه فيها أعلى من راتب الذي علمه، وتختم: «نعم نحب هذه المهنة العظيمة، ونحب بلادنا حباً جماً، ولكن لكل نفس طاقتها».

لا نعتقد أن كل هؤلاء المعلمين متحاملون على وزارة التربية والتعليم، تماماً كما أننا لا نهدف إلى الإساءة للوزارة بأي شكل، أو التقليل من جهودها، لكن التعليم هو القاطرة، التي تقود الأمة نحو المستقبل، والمستقبل يبدأ اليوم وليس غداً، كما يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وما لم نبدأ اليوم تحسين وضع المعلمين فإننا لن نصلح التعليم غداً، وما لم نصلح التعليم فإننا لن ندرك المستقبل، ولا نعتقد أن هذا وارد في تفكير قيادتنا ولا تخطيطها.