في لوزان السويسرية أعلن قبل أيام عن التوصل لصيغة اتفاق إطاري بين إيران والدول (الخمسة زائد واحد) لوضع حد للنزاع مع إيران مع الأسرة الدولية حول برنامجها النووي المثير للجدل. فقد أشغل هذا البرنامج العالم على مدى الاثني عشر المنصرمة لما فيه من ملابسات والتباسات.
فالتخطيط لاستراتيجية نووية بهذه السعة لإنتاج الطاقة الكهربائية ليس قضية طاقة فحسب بل قضية سياسية بالنسبة لدول بحجم إيران مساحة وسكاناً وأحلاماً وطموحات.
تباينت التقويمات لمحتوى البيان حول مستوى التوازن فيه من خلال دراسة فقرات الاتفاق وتحليل أبعادها ومدلولاتها.
إلا أننا لا نرى أن ذلك هو السبيل الوحيد للحكم على هذا الاتفاق والإشارة إلى من هو الكاسب ومن هو الخاسر بل يكفي أن نبحث عن أجوبة لبضعة أسئلة جوهرية تتعلق بأهلية كل طرف، أسئلة من طراز: من هو الطرف الأكثر حاجة لإنجاز هذا الاتفاق؟، من المتضرر إذا استمر الحال على جموده من غير اتفاق؟، هل الطرفان المتفاوضان متكافئان من حيث قدراتهما العسكرية والمالية ودورهما في التأثير على مسارات الأحداث في العالم؟
في سياق المفاوضات التي استغرقت وقتاً طويلًا وتم تمديدها أكثر من مرة تلافياً للفشل كان الغرب يصر خلالها، وبشكل خاص الرئيس أوباما ووزير خارجيته كيري، على أن يحصل على اتفاق جيد وليس أي اتفاق، ومعنى كلمة جيد في سياق قلق الغرب من حصول إيران على السلاح النووي هو ضمان عدم قدرتها على تصنيعه على الأقل في الفترة التي يتضمنها الاتفاق التي أقرت فيما بعد لتكون عشر سنوات.
لا بد من العودة إلى الأجواء التي كانت سائدة عشية بدء المفاوضات وكيف كان حال كل طرف، طرف (الخمسة زائد واحد) لا يشكو من أعراض تضعف موقفه التفاوضي على عكس إيران التي تشكو بشكل خطير من تداعيات اقتصادية وسياسية.
فالاقتصاد الإيراني بعد سنوات من العقوبات قد وصل إلى حالة شديدة التردي وانعكس ذلك بشكل خطير على أسعار العملة الإيرانية التي تراجعت بشكل كبير وتزايدت تبعاً لذلك معدلات التضخم بشكل لم تشهده إيران من قبل.
فقد أدى انهيار أسعار النفط في يونيو 2014 إلى جر الاقتصاد الإيراني إلى حافة الهاوية، حيث لم يعد لدى طهران ما تفعله للخروج من ضائقتها المالية سوى العمل على إنهاء العقوبات الدولية الصارمة التي ترزح تحت وطأتها منذ سنوات وتقديم تنازلات كبيرة ما كان لتقدم عليها في ظروف أخرى وهي التخلي عن طموحاتها النووية وبمعنى آخر «تجرع السم» مرة أخرى.
فهي لم تعد تتحمل في وقت واحد ما تفعله العقوبات الدولية وما يفعله انهيار أسعار النفط من نهش في جسدها لا سيما أن نفوذها السياسي على بعض الدول والمنظمات في أماكن عديدة من الشرق الأوسط قد أصبح عرضة للانهيار بسبب عدم قدرتها على إدامة الدعم المالي لها، وفي هذا إجابة لا لبس فيها عن التساؤلين الأولين اللذين طرحناهما.
إن جميع دول الشرق الأوسط، ربما باستثناء إسرائيل، تُصنف في أفضل تقدير ضمن خانة الدول النامية وذلك لأن اقتصادها يستند بشكل رئيسي إلى بيع ثرواتها الطبيعية، وهي من هذا المنظور غير مؤهلة لتبني مشاريع عملاقة كالمشاريع النووية ذات الطابع الاستراتيجي بشقيها المدني والعسكري لسببين، أولهما أن برامج كهذه تستهلك الكثير من قدراتها الاقتصادية بسبب كلفتها الباهظة على المستويين المادي والبشري لتصبح عامل إعاقة لعملية التنميات فيها، وثانيهما أنها تعرض أمنها القومي للخطر وذلك لأنها غير قادرة على الصمود أمام إرادة القوى العظمى التي لا تسمح بحيازة برامج كهذه.
وحين تكون إحدى هذه الدول طرفاً في صراع مع قوة عظمى أو مع جميع القوى العظمى كما هو الحال مع إيران حول قضية استراتيجية كهذه فلن تكون في وضع متكافئ يسمح لها بإدامة الصراع نفسه ولا في وضع مريح في التفاوض حول شروط إنهائه، وفي هذا إجابة عن التساؤل الثالث.
التنفيذ لهذا الاتفاق ليس بالعملية السهلة السالكة وسط الشكوك لدى الطرفين بحقيقة النيات المبيتة التي صنعتها عقود من العداء المستحكم، كما أن هناك جهات قوية في كل من الولايات المتحدة وإيران لا تنظر لهذا الاتفاق بعين الرضا، فالتصريحات التي صدرت عن واشنطن وطهران بُعيد إعلان الاتفاق لم تكن بعيدة عن لغة التهديد ولم تستبعد الإخلال به.
هناك عقبات كثيرة تعترض التنفيذ وقد تعرقل التوقيع النهائي على الاتفاقية في يونيو المقبل ولعل أبرزها هو المدى الذي تصل إليه عمليات التفتيش التي ستقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
فقد صرح وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر في الحادي عشر من أبريل الجاري «إن أي اتفاق نووي مع إيران لا بد أن يتضمن بنوداً كافية لعمليات تفتيش تشمل المواقع العسكرية» مضيفاً «لا يمكن أن يعتمد الاتفاق على الثقة فقط بين طهران والدول العظمى»، وهو ما لاقى رفضاً فورياً من قبل المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي.
والحقيقة أن ذلك يعيد إلى الأذهان ما رافق عمليات التفتيش التي قامت بها فرق الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمنشآت العراقية المدنية والعسكرية رغم الاعتراضات التي كانت تبديها السلطات العراقية التي وجدت نفسها في نهاية المطاف غير قادرة سوى على الإذعان للإرادة الدولية.