مهم أن تكون حراً لكن الأهم أن تعرف ماذا تفعل بحريتك. لا أعرف من القائل لكني أعرف أننا، نحن العرب، لم نكن أحراراً ولم نعرف كيف نكون. وما أن أعطونا الوصفة حتى التهمنا الدواء وكانت الطامة الصغرى، أما الكبرى فلا نزال نعيشها ونعاني من أعراضها الداخلية والخارجية.

فثمة من تقطعت أوصاله ومن تمزقت أمعاؤه ومن نزف دمه حتى بتنا نستحق أن يقال عنا «الجاهل عدو وطنه». أصبحت أوطان مستنقعات لطفيليات العصر وأخرى مرتعاً للوحوش البشرية من دواعش وفواحش، وثالثة مكباً للنفايات السياسية والأخلاقية وللاستخبارات العالمية. كل يعمل لمصلحته ونحن لم نعد ندري أين مصلحتنا.

قصتنا ليست وليدة اليوم بل بدأت منذ حوالي قرن. وتحديداً عندما بدأت تسمية الوطن العربي، الذي كان ضحية ضعف الخلافة العثمانية وموت رجل أوروبا المريض، بمصطلح «الشرق الأوسط» تمهيداً لنزع الصفة العربية عن هذه المنطقة من العالم وزرع «إسرائيل» كوطن قومي لليهود الذين لا يجمع بينهم لغة أو تاريخ أو انتماء.

وبذلك تتغول الجغرافيا على التاريخ الحقيقي ويُكتب تاريخ مزيف بالعصا والرصاص والحديد والحدود.

لقد ظهر مصطلح الشرق الأوسط العام 1919، بدلاً من الوطن العربي، وهو مصطلح سياسي اقتصادي يختبئ تحت غطاء جغرافي، يهدف إلى محو الهوية والثقافة العربية وتفتيت العالم العربي ومنعه من اتخاذ أي شكل من أشكال الوحدة، ثم ما لبث أن توسع لإدماج الكيان الصهيوني فيه.

الرحلة الثانية من «شرقنة» الوطن العربي جاءت العام 1991 حيث ظهرت فكرة السوق الشرق الأوسطية بمبادرة إسرائيلية أميركية ودعم أوروبي وواحدة من أدواتها البنك الدولي، وكان من دعاتها شمعون بيريز حيث تحدث أمام حزبه العمل عن التكامل بين وفرة المياه التركية والتكنولوجيا الإسرائيلية والأسواق المصرية، وبذلك ستحقق «إسرائيل» ما تريد، وما لبث أن طرح كل هذا وأكثر في كتابه «الشرق الأوسط الجديد».

ويهدف بيريز من وراء ذلك إلى تسريب الكيان الإسرائيلي في الجسد العربي وحقنه دمه بمطعوم قاتل بدعوى إنقاذ المنطقة من التخلف والجهل التكنولوجي وإنعاش اقتصاداته!!

لكن يبدو أن التشخيص الإسرائيلي الأميركي الغربي لـ«الشرق الأوسط الجديد» لم يكن دقيقاً لتلك المرحلة. فكان لا بد من القضاء على كل ما من شأنه تهديد المخطط: العراق القوي، التلاحم العربي، الانتفاضات الفلسطينية، أسعار النفط، سوريا مستقرة ولو تحت حكم دكتاتوري ومصر عربية.

وفي تأجيل التنفيذ احتل العراق وانحل جيشه، اختلت العلاقات العربية، تم التلاعب بأسعار النفط، انقلبت معادلة الحكم في مصر، إطاحة مبارك، تسليم الحكم لـ«الإخوان» بهدف إحداث انقسام بين الشعب المصري المعروف بمناعته ضد التقسيم والفتن والتصاقه بالنيل وبسمة «بهية» ثم انتزاعه منهم وتشويه وجه مصر الذي لا يعرف التكشيرة بالتفجيرات الإرهابية.

كما تم إشعال فتيل ما يسمى الربيع العربي ليحترق الأخضر واليابس وتتسع الزنازين لتصبح مقابر جماعية، ويصبح القتل على المذهبية بعد الهوية وعلى اللهجة بعد اللغة.

تبنى جورج بوش الابن مصطلح الشرق الأوسط الجديد العام 2001، فالمنطقة لها أهمية كبيرة، ولكنها مصدر للمتاعب، لوجود حكم استبدادي وبيئة خصبة للتطرف.

قدمت مؤسسة راند العام 2001 دراسة سميت الاستراتيجية الكبرى للشرق الأوسط من كبار المحللين بقيادة لوران مورافيتش، خلص التقرير إلى أن مشكلة العالم العربي أصبحت مستعصية، والدول العربية تصنف إلى صنفين إما فاشلة أو في طريقها إلى الفشل، وأن الصدام قد أصبح حتمياً بين العالم المتخلف (نحن) وبين العالم المتقدم، وأن وجود إسرائيل واحتلالها لأراضٍ عربية هو أبرز أسباب العنف، وأن الولايات المتحدة هي وحدها القادرة على عمل تغيير في المنطقة.

أما الرصاصة القاتلة بدعوى الديمقراطية فقد أطلقتها كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي حين أعلنت أن أميركا تريد تحرير العالم العربي ونشر الديمقراطية وتغيير الأنظمة العربية وتعديل المناهج وإلغاء المدارس الدينية.

 في العام 2002- صدرت وثيقة أعدها مجلس السياسات الدفاعية الأميركي بقيادة ريتشارد بيرل جاء فيها أن الولايات المتحدة مصممة على شرق أوسط جديد و«لن يبقى من النظام العربي إلا الذكرى، وأرشيف سيحفظ في مكتبة الكونغرس للاطلاع»!! وفي 2004 دعت إدارة بوش الدول العربية لإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية وإعطاء حوافز للدول المتعاونة.

المؤسف أن نلتهم سم مصطلحات: الإقليم والشرق الأوسط، ومن يدري ماذا بعد، ونستخدمها في أخبارنا وتصريحاتنا لكأننا الصدى لسكين قاتلنا التي توغل في ذبحنا.

نحن اليوم في أمس الحاجة إلى رتق الشقوق في البيت العربي كلما أمكننا ذلك، وأن نجمع خيوطنا وخيولنا وكل ما نملك حتى ننجو من الذوبان في أسيد المؤامرات على الأمة والأهم حتى لا يتسع الرتق على الراتق.