الاسرائيليون مهجوسون بتداعيات اتفاق الاطار ، الدولى شكلا والأميركى أساسا ، مع ايران ، بأكثر من انشغالهم باجراءات تشكيل حكومتهم.. وهم فى تكييفهم وتقييمهم للاتفاق وما بعده بالنسبة للمشهد الاقليمى من حولهم بعامة ، ومستقبل مكانة دولتهم وأمنها بخاصة ، مختلفون الى أبعد الحدود. فمنهم من يتشوف من ورائه خطرا يتربص بالدولة «...لأن طهران أفلتت من العقوبات بدون أن تغلق أمامها أبواب انتاج السلاح النووي ..».
ومنهم من يعتقد أنه ماكان بوسع اسرائيل أن تبلغ وحدها ، مالم تتمكن واشنطن وبقية المفاوضين من بلوغه «.. فعلى الأقل استطاع هؤلاء الأقوياء فرملة المشروع الايراني ووضعه تحت الرقابة لسنوات طويلة .. وهذا هو أفضل الأسوأ، لأن الاتفاق منع ايران من أن تكون حرة فى مواصلة مشروعها بدون عوائق..».
رغم هذا التباين والارتباك ، إلا ان معظم الساسة وأصحاب الرأي فى اسرائيل يلتقون على أن سياسات بنيامين نتنياهو تجاه ادارة الرئيس أوباما ، قد ألحقت أذى كثيراً بمكانة تل أبيب ؛لاسيما لجهة اهمال كلمتها ومخاوفها بين يدي معالجة الملف الايراني .الرأي السائد بهذا الصدد هو ان واشنطن وشركاءها المفاوضين منعوا اسرائيل ، سواء لوحدها أو بمعيتهم ، من شن الحرب على ايران ، ولم يستمعوا لصوت نتنياهو ؛ الذي بح وهو يحرض لأجل هذا الغرض.
بالنسبة لبعض الاستراتيجيين الاسرائيليين ،الأكثر دراية بمغزى الالتصاق بالحليف الأميركي ، يمثل مشهد التصرف مع ايران بمعزل عن رؤى تل أبيب وتقديراتها ، موقفاً مهينا لهذه الأخيرة وضاراً بها فى الأجلين المنظور والممتد « .. فإيران التي كانت معزولة فى نظر العالم،باتت مهيأة للتفاوض معها فى شؤون شرق أوسطية حساسة. بينما تنحي الاهتمام باسرائيل جانبا..».
ويحمل هؤلاء نتنياهو المسؤولية عن وقوع هذا الخلل الخطير. ويوغل بعضهم فى التشاؤم حين يوسع دائرة النظر،ويتأمل فى الانعكاسات الاستراتيجية السلبية المضافة، جراء الاستخفاف الاسرائيلي بالدول الأوروبية، التى تتجه تباعاً الى رفع مكانة فلسطين وتثبيت قناعتها بحل الدولتين عمليا.
على سبيل التعامل مع هذه المعطيات ، يلمح فريق من أهل الرأي فى تل أبيب الى امكانية استغلال بعض المتغيرات والمستجدات الاقليمية .. ومن الطروحات المستفزة فى هذا الاطار ، نصيحة « شاؤول موفاز » رئيس الأركان ووزير الدفاع الأسبق ، التي يدعو فيها للتوصل الى تفاهمات هادئة مع الزعامة السنية المعتدلة فى المنطقة ضد الخطر الايراني الشيعي . أفكار موفاز ليست تغريدة شاردة ولا هى مداخلة منبتة الصلة ، عما يدور فى الأروقة الاسرائيلية من تصورات للدخول على خطوط التماس العربي الخشن مع ايران.
يغالي الاسرائيليون كثيراً ويسرفون فى التحليق بعيداً عن أرض الواقع،عندما يحلمون بتفكيك عزلتهم ، المتفاقمة نسبيا مع أشد الدول تحالفا معهم ورعاية تاريخية لهم ، عبر التواصل مع أكثر الأمم تضرراً من وجودهم ومن سياساتهم العدوانية !.
. ترى كيف يتأتى للعرب،المشاركين منهم فى عاصفة الحزم وغير المشاركين، أن يستمرئوا التنسيق الودود مع اسرائيل أو القبول بمداخلتها معهم تحت أي عنوان ، فيما عزف عنها وآثر استبعادها من الملف الايراني أقرب الخلق اليها وأكثرهم حرصا على أمنها ؟!..
لاينصف الاسرائيليون الحقيقة حين يأملون فى نشوء حالة عربية ، تسمح بتنحية خطر دولتهم الصهيونية الجاثم ، مقابل منح أولوية لخطر آخر ايراني أو غير ايراني .
وأكثر من هذا اثارة للسخرية ، أن ينادي بعضهم بوجود مصلحة مشتركة بين اسرائيل و «العرب السنة» تستدعي التعاون المشترك.أين هذا التصور الفاسد من التاريخ الأسود للغزوة الصهيونية العنصرية ضد العرب بكل مللهم ونحلهم وطوائفهم ، والواقع الأكثر سوادا للاحتلال الاسرائيلي الدموي لدولة عربية بقضها وقضيضها اسمها فلسطين؟. ألا يدرك الاسرائيليون أن المخاوف العربية من تمدد النفوذ الايراني ، لاتعني بحال غفلتهم عن العدوانية الاسرائيلية؟.
ربما كان من أقدار العرب أن يواجهوا أكثر من خطر وتحد ، فى منطقة القلب وعلى التخوم والأطراف ، فى وقت واحد.