إذا كانت الساحة العربية مشغولة منذ القمة العربية الأخيرة في شرم الشيخ بحديث ملتهب حول القوة العربية المشتركة التي تقرر تشكيلها بالفعل، فلا يجوز التعامل مع توجهات الدفاع العربي المشترك على أنها أفكار جديدة بالكلية، فهي حق أصيل في ميثاق جامعة الدول العربية ترجم إلى معاهدة الدفاع العربي المشترك في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي.
وقد شهدت تطبيقات محدودة على أرض الواقع عبر السنوات الماضية ولا يمكن الجزم بأنها حققت الهدف المنشود منها تماماً وذلك نتيجة ظروف داخلية وإقليمية ودولية جعلت من وضع هذه المعاهدة موضع التنفيذ طول الوقت ضرباً من الخيال لأسباب كثيرة ومعقدة يطول شرحها.
ولكن الدفاع العربي المشترك لم يقف عند حدود المعاهدة المذكورة وإنما أخذ أشكالاً مختلفة ومتنوعة عبر السنوات الماضية بين أطراف عربية عدة كان أبرزها بالتأكيد تشكيل قوات درع الجزيرة التابعة لمجلس التعاون الخليجي في مطلع الثمانينات من القرن الماضي ولعبت دوراً مهماً في التصدي لأزمات داخلية وإقليمية.
ولا مبالغة في التأكيد على أن تجربة المجلس الخليجي في الدفاع المشترك هي الأكثر نجاحاً واستمراراً ووضوحاً حتى يومنا هذا على الصعيد العربي لعديد من العوامل لعل أبرزها النسيج الجغرافي والسياسي الواحد للدول الخليجية حيث تشغل كتلة من الأرض تمثل وحدة متكاملة يسهل التعامل مع أبعادها بسرعة شديدة وحرفية عالية المستوى.
وكذلك النظم السياسية لدول المجموعة هناك اتساق شديد بينها في طبيعتها وتركيبتها البنيوية وكذلك في توجهاتها الواضحة من حيث الأهداف الداخلية والإقليمية والخارجية، ومن ثم فهي لا تتعرض لتناقضات أو انقسامات في الرؤى يمكن أن تشكل عائقاً في عمل قوات درع الجزيرة وكذلك المجلس بأكمله.
أضف إلى ذلك تشابه العادات والتقاليد والموروثات الثقافية والمجتمعية لشعوب دول الخليج إلى حد كبير، ولا شك في أن ذلك يلعب دوراً كبيراً ومؤثراً في نجاح سياسات المجلس ومن بينها بالقطع مسألة الدفاع المشترك حتى وإن تباينت الرؤى في بعض المواقف، ولكنها لا ترقى إلى حد العنصر المعطل لقرارات حازمة أو مصيرية أحياناً.
فضلاً عن القدرات الاقتصادية الكبيرة لدول المجلس والتي تمكنها من تحديث قواتها والتزود بأحدث ما وصلت إليه ترسانات الأسلحة العالمية، وبذلك تتكامل العدة والعتاد والعديد من القوات بما يرفع درجة الجهوزية لديها للتدخل العاجل في المواقف الطارئة.
وربما كان الأهم من كل ذلك أو إضافة إلى كل ذلك وجود وحدة فكرية وأسس نظرية مشتركة للأمن الخليجي والذي ظهرت مؤشراته غداة تفجر الحرب العراقية – الإيرانية أواخر السبعينيات من القرن الماضي والتي تشكلت على ضوئها قوة درع الجزيرة.
ومن هذه النقطة تحديداً يمكن مناقشة فكرة القوة العربية المشتركة التي أقرتها قمة شرم الشيخ باعتبارها مفتاح النجاح أو التعثر لتلك القوة في المرحلة المقبلة، والمقصود هنا هو الأساس النظري أو الفكري لتشكيل تلك القوة.
فبالنسبة لعناصرها وهيكلتها فأغلب الظن أنها لن تمثل أي عائق حيث ستعد قوات درع الجزيرة نواة لها وكذلك قوة التدخل السريع التي أعلنت مصر عن تشكيلها منذ أكثر من عام لمجابهة الأزمات الطارئة، ولكن تبقى الأسس النظرية – أمنياً وسياسياً – والتي ستشكل منطلقاً لعمل هذه القوة هي علامة الاستفهام الأبرز.
فلم تكن هناك مصاعب كبرى في صياغة معاهدة الدفاع العربي المشترك قبل أكثر من ستين عاماً استناداً إلى ميثاق جامعة الدول العربية في مواجهة هدف واضح وصريح وهو نصرة القضية الفلسطينية.
ولكن اليوم ومع الاعتراف بأهمية وقيمة فكرة الدفاع العربي المشترك وتطويرها وفقاً لمستجدات العصر سواء بقيادة موحدة أو بقوة تدخل سريع تظل هناك تساؤلات فيما يتعلق بالأسس النظرية التي ستعمل في ظلها تلك القوة.
ولتكن البداية من التأكيد على أن ظروف وعوامل نجاح قوة درع الجزيرة ليست قائمة على صعيد الأمة العربية بكل دولها نظراً لطبيعة اختلاف النظم السياسية والثقافية والتوجهات الداخلية والخارجية مما يجعل الإجماع على هدف واحد أمراً صعب المنال وخاصة فيما يتعلق بتحديد الحالات التي تستوجب التدخل العاجل وفقاً لمعايير واحدة بعيدة عن التوظيف السياسي.
ولا شك في أن تمدد الإرهاب في ربوع الأمة العربية يجعل من العمل العربي الجماعي أمنياً وسياسياً وعسكرياً أمراً مرغوباً وملحاً وربما محتوماً في كثير من الحالات للحفاظ على الأمن القومي العربي وبقاء الأمة ذاتها.
ولكن من المهم أيضاً لإنجاز هذه الأهداف النبيلة تهيئة الظروف والعناصر الكفيلة بإنجاح آليات هذا العمل.