الإعلام في معناه التقليدي هو الإخبار، بمعنى أن يحاط الفرد علماً بما يدور حوله من أحداث وقضايا بشكل آني وصادق حتى يستطيع أن يتخذ القرار المناسب حيالها، وكيفية التعامل معها، أو مواجهتها.
كما أن وظائف الإعلام ذاتها تتعدد بين الإخبار والترفيه والتعليم والتوجيه والإرشاد، وتحدد الوزن النسبي لهذه الوظائف الظروف التي يمر بها المجتمع والتحديات التي يواجهها، باعتبار أن المنظومة الإعلامية مرتبطة بالمنظومة المجتمعية ومعبرة عنها ومتفاعلة معها وعاكسة لها، وهو ما يوثق الرباط بين الإعلام والمجتمع.
ومن الوظائف المهمة، والتي غالباً ما يتم الاقتراب منها عن بعد والابتعاد عنها عن قرب، هي دور الإعلام في التوعية الصحية والطبية، رغم أهميتها إلا أن هذه الوظيفة يتم التعامل معها بمنطق رد الفعل حين يعلو صوت إحدى الظواهر المتعلقة بالصحة، ثم لا تلبث أن تختفي أو تذبل، ما يعني غياب استراتيجية واضحة لتأطير العلاقة بين الإعلام والطب أو التوعية الصحية.
هناك تحديات عدة يجب طرحها للنقاش بين الإعلاميين والأطباء، وكذلك بين المؤسسات الطبية ووسائل الإعلام، ذلك أن الإعلام الطبي والتوعية الصحية لا يساعدان على تحسين وإسعاد حياة الناس فحسب، بل لهما مردود اقتصادي كبير على ميزانية الصحة بالدولة حين تكون ثقافة الوقاية من الإصابة بالمرض مقدمة على ثقافة التداوي والعلاج، فالمرض لا يصيب أعضاء الجسم فحسب، إنما طاقته النفسية وطبيعة سلوكه.
وقد يكون الفرد غير مصاب بمرض بالمفهوم الاصطلاحي، غير أن عدم قدرته على إدارة كيانه المادي والنفسي بصورة سليمة، يفسد عليه استمتاعه بما يقوم به.
أقول هذا بعد أن أوضحت أحدث التصنيفات العالمية أن الإمارات تجيء في المرتبة 16 للبلدان ذات الانتشار الأوسع للسكّري عالمياً، ما يمثل تهديداً لمستقبل أبنائنا، كما أن الاتحاد الدولي للسكري أشار إلى أن الإمارات إن لم تتخذ إجراءات ناجزة للتعامل مع هذا المرض ستكون مرشّحة .
لأن تصبح بحلول عام 2025 من الدول التي سيزيد معدل انتشار المرض عن 20% من السكان وتداعيات ذلك على المخصصات التي يجب رصدها للتعامل مع هذا المرض، وبخاصة أن تقديرات منظمة الصحة العالمية ذكرت أن تكلفة علاج الشخص الواحد تصل إلى 400 دولار.
وكما رصدت التقارير المحلية أن ما يصل إلى 80 ألف مصاب بالمرض من الإمارات، وهو ما يتطلب عدم ترك هذه القضية للمؤسسات الطبية وحدها، بل بكل الوسائل الناجعة، وفي مقدمة هذه الوسائل الإعلام باعتباره المصدر الأكثر جماهيرية في المتابعة والحصول على المعلومة.
والحق أن الإعلام الطبي يجب أن يسبق دائماً بخطوة أو خطوات، ولا يتعامل مع الأمراض بمنطق رد الفعل، ولكن أن تكون هناك استراتيجية واضحة تنبثق منها خطط متعددة للتعامل مع الظواهر الصحية ما يجعلنا قادرين على تقييم الأعمال ورصد النتائج.
فضلاً عن ذلك فإن استخدام وسائل الإعلام في المجال الطبي لا ينبغي أن يعني المؤسسات الإعلامية وحدها، غير أنه هناك العديد من الإشكاليات التي تواجه الإعلام الطبي ينبغي النظر إليها بعين الاعتبار منها: أن الإعلامي المتخصص في القضايا الطبية عملة نادرة، سيما وأن المجال الطبي يعج بالقضايا التي تحتاج إلى إلمام بجوانب دقيقة ومتخصصة.
وعوضاً عن ذلك تلجأ وسائل الإعلام إلى الاستعانة بأطباء في تقديم المادة العلمية، غير أن عدم قدرتهم على التعامل مع الوسيلة الإعلامية، والإفراط في استخدام مصطلحات طبية متخصّصة يحول دون وصول الرسالة إلى الجمهور المستهدف رغم دقة المعلومة، وهو ما يتطلب ضرورة أن يكون هناك إعلاميون متخصصون ومؤهلون طبياً.
كما أن التعامل مع المشكلات الصحية أسبابها وأعراضها وسبل الوقاية يغلب عليه في بعض الأحيان الطابع التجاري حين يتم التركيز على الترويج لدواء جديد باعتباره العلاج الأفضل بين فقرات البرنامج، على الرغم أن الإعلان عن الدواء له ضوابط ينبغي الالتزام بها أو التنويه عن عنوان المركز المعالج أو عيادة الطبيب، فضلاً عن أن التعامل مع استفسارات الجمهور وتشخيص حالاتهم المرضية عبر الرسائل الإلكترونية أو الاتصالات التليفونية لا يكفي، ويحمل أوجه عدة واختلاف وجهات النظر بين الأطباء، وهو ما يتسبب في حيرة وارتباك لدى الجمهور.
على الجانب الآخر، فإن التعامل مع القضايا الطبية يجب أن يسير بتوازن بعيداً عن التفريط في إلقاء الضوء على الخريطة الصحية التي يجب تحديثها بشكل مستمر، أو الإفراط في تخويف الجمهور من الأمراض، وهو من المزالق التي يقع فيها الإعلام أحياناً.
الشكل الجامد الذي تقدم فيه المادة الطبية وعدم جاذبيته يكونان سبباً في عدم إقبال الجمهور عليها، فلا يعني جودة المضمون أن يقدم جافاً، ولكن ينبغي استخدام مختلف القوالب الصحافية لزيادة الإقبال عليها. هذا يعني أننا بحاجة إلى أن يقوم الإعلام بدوره جنباً إلى جنب مع المؤسسات الطبية في مواجهة التحديات الصحية.