هنالك شيء لافت للانتباه في تعامل أبناء الخليج والعرب عموماً مع عاصفة الحزم، وما ارتبط بها من وحدة الموقف العربي، ومواجهة مخططات العبث بالأمن القومي الخليجي والعربي ككل: ألا وهو الإحساس العارم بالترحيب والراحة والتفاؤل! لكن مصائر المنطقة لا تبنى على الأحاسيس وحدها، وإنما تتعداها إلى الوقائع ومنطق الأمور.
ويصح هنا أن نبادر للتذكير أن ترحيب الناس وارتياحهم لهذا العمل الجمعي العربي المشترك، هو كذلك واقع يتجاوز الأحاسيس إلى التجاوب الفعلي من قبل الشعوب والدول، سواء مع عاصفة الحزم، كمبادرة استباقية، أو مع قرار القمة العربية الأخير بتشكيل القوة العربية المشتركة.
ذلك أن حقائق الواقع فرضت الكثير من الإحباطات في الماضي، وربما صح في هذا المقام، القول إن جزءاً كبيراً من ترحيب الناس بعاصفة الحزم والقوة العربية المشتركة، ارتبط بتلك الإحباطات، أكثر من ارتباطه بجزئية العاصفة وتفاصيلها.
لهذا، وعندما ننظر اليوم إلى مجريات عاصفة الحزم، والتحرك العربي المشترك المستجد بعدها، لا بد لنا من ملاحظة مجموعة رئيسة من العوامل التي لا بد لكل من يريد التعامل سياسياً مع منطقتنا، وخصوصاً دول الخليج، أن يأخذها بعين الاعتبار، كأساس للمنطق الجديد، لفهم ما بعد عاصفة الحزم من منظور استراتيجي بعيد الأمد.
فأولاً: واضح بما لا يدع مجالاً للشك، أن هنالك إرادة سياسية مختلفة، لا تقبل أن يتم التعامل مع قضايا المنطقة بالسطحية واللامبالاة التي كان المجتمع الدولي يتعامل بهما، ولعل تجربة المماطلات الدولية في الملفين السوري والليبي بالشكل الذي جعل حمام الدم في البلدين يستمر على غير هدى، تقدم مثالاً صارخاً ودامياً على هذه اللامبالاة، والكلفة المرتفعة التي تدفعها دولنا ومنطقتنا نتيجة لذلك، وهذا ما دفع، من بين اعتبارات أخرى عديدة، إلى تشكل هذه الإرادة السياسية، التي تدرك أنه «ما حك جلدك مثل ظفرك»، وهذا باب في السياسة، إذا تم الحفاظ عليه بنفس الوتيرة ومستوى الحماسة الذي نشاهده اليوم، فإنه سيترك تأثيرات إيجابية في قضايا المنطقة على المدى البعيد.
وثانياً: لا بد من ملاحظة أن الصورة النمطية التي اختارت بعض الدول، حليفة كانت أم غير ذلك، أن ترسمها عن دول الخليج، باعتبارها دولاً «مدللة»، تهتم بالثراء فقط، وتبحث عمن يقوم لها بواجباتها، هذه الصورة أصبحت اليوم غير قابلة حتى للتصديق، خاصة بعد أن أخذت دول الخليج بنفسها زمام المبادرة للتحرك العسكري، جواً وبراً وبحراً، ومن خلال قوة قتالية، اعتمدت بشكل أساسي على المقاتل الخليجي. صحيح أن الجهد العربي المشارك لا ينكر، لكن زمام المبادرة والقوة العملياتية الأكبر، لا تزال خليجية بالكامل، على عكس الصورة النمطية التي تبارى الكثيرون في ترسيخها بشكل أو آخر.
أما ثالثاً: فإن تجربة الاعتماد على جهات أخرى في السابق، تركت منطقتنا نهباً للابتزاز ومحاولات التذاكي، وكانت كلفتها السياسية والاقتصادية عالية جداً علينا، كمجموعات وكدول، ولا يجوز هنا أن ننسى أنه حتى لو كان الآخرون يدعموننا في مرحلة أو أخرى، فإنهم في المحصلة، لا يعملون إلا ما يتوافق مع مصالحهم هم. ونحن هنا لا نستعدي الآخرين، ولكننا نذكر أن ما نستفيده من الاعتماد على النفس ووحدة الصف، أضعاف ما نجنيه من الاعتماد على الآخرين، خاصة أننا في حالة التوحد والمبادرة، نكون أدرى بمصلحتنا وأولى بها.
ورابعاً: فإن من المهم ملاحظة أن لدينا فرصة تاريخية لبناء تحالف عربي قوي، سأستعير هنا له تسمية مجلة فورين بوليسي الأميركية، التي سمته بالناتو العربي، ويستحق الإشارة هنا، أن أربعاً من دول تحالف عاصفة الحزم، التي لعبت دوراً أساسياً في إقرار القوة العربية المشتركة، وأقصد هنا الإمارات والسعودية والأردن ومصر، هي في الواقع دول منتجة للقدرات العسكرية، ولا يخفى، على سبيل المثال، دور التقنيات العسكرية الإماراتية، وخصوصاً الطائرات دون طيار، في مجريات عاصفة الحزم، والأمثلة كثيرة، كما أن القدرات القتالية والتدريبية للدول الأربع، تمنحها أفضلية ميدانية في مجالات واسعة.
لكن ما أركز عليه، هو أن هذه الوقائع تشكل أساساً راسخاً لتحالف طويل الأمد، يشمل دول الخليج وبقية الدول العربية المشاركة في عاصفة الحزم، والدول التي أيدت القوة المشتركة، لكي يتجاوز الحالة المرحلية إلى البناء الاستراتيجي طويل الأمد، لمنظومة علاقات متشابكة متماسكة، تخرج بنا من الوضع السلبي المتردد الذي عشناه خلال العقود الماضية، وما ارتبط به من إحباطات.
وأنا هنا لا أتحدث عن الحروب، لأن مفهوم الأمن القومي، يتجاوز الحالة العسكرية بأشواط، ولكم أن تتخيلوا مثلاً، هل كانت دولة مثل إثيوبيا تجرؤ على إنشاء سلسلة سدود على منابع النيل، تهدد الأمن الوجودي لدولتين عربيتين (مصر والسودان)، لو كان أمننا القومي على الحال السليمة التي ينبغي أن يكون عليها؟.
أدرك هنا أن البعض قد يعتبر أننا نبالغ في التفاؤل بعاصفة الحزم، ولكنني، كما قلت في السابق، أكرر القول إن حجم الترحيب بعاصفة الحزم وتحالفاتها، مرتبط بما مررنا به من إحباطات تعددت، وحان أوان التخلص منها، من خلال موقف خليجي عربي متكامل ومتوحد، لا نعادي فيه الآخرين، لكن نعمل لمصلحتنا، ونمنع الإضرار بأمننا القومي الجمعي، وذلك لسبب بسيط جداً، حتى لا نجد أنفسنا في وضعية من أُكل يوم أُكل الثور الأبيض، لا قدر الله!