ما أن انطلقت ثورة الشباب في اليمن ضد نظام علي عبد الله صالح الفاسد حتى انبرت القوى السياسية الداخلية لإيجاد طريقة محمودة تحول دون إراقة الدماء، تؤيدها في هذا المسعى دول مجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة.
وكان ما كان من حل حاز على موافقة الجميع بمن فيهم الحوثي وعلي عبد الله صالح. ولسنا نحتاج إلى سرد للوقائع المعروفة، ولكن السؤال ما الذي جرى حتى انقلب الحوثيون وعلي عبد الله صالح على الاتفاقات؟ بل ما الذي قاد إلى تحالف بين الحوثي وعلي عبد الله صالح وبينهما من العداء ما بينهما، وليس هذا فحسب، فإن الحوثيين الذين كانوا جزءاً من الحراك اليمني ضد الرئيس المخلوع صاروا جزءاً من أدواته وصار هو جزءاً من قوتهم. يبدو لي أنه فيما كان الحوار يجري أثناء الثورة السلمية اليمنية للخروج بحل يرضي الجميع كان كل من الحوثي وعلي عبد الله صالح يغني على ليلاه.
وكان الانقضاض على السلطة في مرحلة لاحقة هو الهاجس الأساسي لكل من هاتين القوتين. وهذان الطرفان هما الطرفان اللذان يملكان قوة عسكرية منظمة.
ويبدو أن عقداً شفاهياً قد عُقد بين الحوثي وصالح للانقضاض على السلطة وتقاسمها ريثما يحسم أحد منهما الأمر.
وهكذا كان، فالحوثي بما يمتلك من قوة عسكرية ومالية ودعم لا محدود من السلطة في إيران كان يبيت الخطة لاحتلال اليمن وإعادة الإمامة في صورة حكم الحوثيين ومنح فتات من سلطة هنا وهناك للآخرين، وبالمقابل فإن صالح الذي احتفظ بالمؤسسة العسكرية بيت الإجهاز مرة أخرى على السلطة مهما كلف الأمر،
وهكذا أمام غياب القوة الداخلية الرادعة لطموح هذين الرجلين اللذين، وإغراء السلطة، متكئين على وهم القوة ودون التفكير أبداً بحال اليمن ومستقبله، قاما بعملية غزو واحتلال للعاصمة ومناطق أخرى وصولاً إلى احتلال اليمن وإخضاع أهله بالقوة.
يضاف إلى ذلك الظن لديهما بأن الاعتماد على الدعم الإيراني العسكري والمادي يوفر لهما شرط تنفيذ ما يسعيان إليه.
وإن أحداً لن يستطيع ردعهما عن فعل ما هم مقدمون على فعله، لا سيما أنه وبعد احتلال صنعاء من قبل الحوثيين وغياب أي تحرك ضدهم اعتقدوا إن أمر البلاد أصبح في يدهم. وهذا هو الذي دعا أحد السياسيين الإيرانيين إلى القول: إن إيران تتحكم اليوم بأربع عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.
ولا شك عندي أنه لم يخطر على بال الحوثيين ولا على بال علي عبد الله صالح ولا على بال إيران أن يقوم مجلس التعاون الخليجي مؤيداً بالعرب ودول عالمية بعاصفة الحزم لوضع حدٍ لأوهام الحوثيين وصالح في احتلال اليمن على الطريقة البدائية في القرون الوسطى.
ولعمري إن خطر الحوثيين وعلي عبد الله صالح على اليمن أكبر مما نظن. فهتان القوتان الهمجيتان، فيما لو تركتا تعبثان باليمن، لقادا اليمن إلى حرب أهلية، وإلى التقسيم والانفصال، بل لو تحقق لهما ما أرادا لاشتعلت الحرب بعدها بينهما لاحتكار السلطة.
إن خطر الحوثيين وما شابه ذلك من أي ميليشيات على المجتمع والحياة كبير جداً، فلن تقوم قائمة أية دولة يكون فيها هذا النمط من الميليشيات الطائفية المدعومة من دولة تظن أن الكسروية قابلة للحياة، وعند لبنان والعراق الخبر اليقين.
والحق إن تجربة اليمن درس مهم بكل ما ينطوي عليه من معاني الحياة، وأهمها معنى أن هناك عرباً يجب أن يفكروا بمصيرهم وألا ينتظروا الخلاص من أحد.