بادئ ذي بدء لنا أن نقول بقدر من الثقة بأن أحد أسباب القوة، المال أو القدرات الفكرية المتميزة أو الموقع الوظيفي أو العلاقات مع مراكز النفوذ أو الدعم الخارجي، حين يتوافر لدى الفرد يدفعه بشكل طبيعي نحو بسط نفوذه على المقربين منه أولاً ثم توسيع مساحة هذا النفوذ على نطاق أوسع فيما بعد بغية التمتع بالمزيد من أسباب القوة وبالتالي بالمزيد من الفرص والخيارات.
نوازع الفرد السايكولوجية الغريزية هذه تنسحب على ما هو أوسع، تنسحب على المؤسسة وعلى الدولة كذلك.
فسايكولوجية الدولة، إن جازالتعبير، ليست بعيدة في خصائصها عن سايكولوجية الفرد، فحين تمتلك أسباب القوة، أموالاً وجيوشاً وتقدماً تكنولوجياً، تسلك سلوكاً مقارباً من حيث المبدأ لسلوك الفرد في الرغبة بالتسلط وبسط النفوذ على الدول الأخرى خاصة عندما تكون مسكونة بهوس إحياء ماضي تسعى لتسويقه بغلاف ديني لا يستطيع إخفاء طبيعته القومية متجاهلة حقيقة أن ذلك لا يتفق مع سمات العصر ونكهته.
لا شك أن ذلك يبعث على القلق الشديد، إقليميا ودوليا، فالسلم والاستقرار يعم أي منطقة من العالم حين تكون التوازنات القائمة في القوى والنوايا التي خلفها بين دول المنطقة من المتانة بمكان بحيث تضمن سلامتها وأمنها وتقلل من فرص خلق بؤر التوترات والمخاطر.
وحين تختل هذه التوازنات تبدأ المنطقة بالانحدار نحو عدم الاستقرار وهذا يحصل حين تبدأ إحدى الدول بزيادة توظيفاتها المالية والبشرية في مجال التفوق العسكري والبدء بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة عن طريق استغلال مواطن الضعف التي تستشعر وجودها في هذه الدول وقدرتها على التأثير في مساراتها سواء كانت مواطن الضعف هذه ذات طابع قومي أو ديني أو مذهبي أو قضايا تتعلق بالحدود الجغرافية أو عائدية بعض الثروات الطبيعية أو بموروثات تاريخية.
شهدنا في معظم فترات التاريخ، ولا نزال، دولاً قوية تعتمد نهج بسط النفوذ والتأثير على جاراتها بشتى الطرائق المشروعة منها وغير المشروعة ويصل حد التدخل أحيانا احتلال أجزاء من أراضي الغير أو الهيمنة على بعض
ومع أن صلح ويستفاليا الذي تم توقيعه عام 1648 أنهى حروباً طويلة في أوروبا وأرسى نظاماً إقليمياً في وسطها مبنياً على مبدأ سيادة الدول إلا أنه لم يصمد أمام نزوات الحكام وطموحاتهم في التسلط والهيمنة فقد شهدت أوروبا وجرت العالم معها حروب دموية كان آخرها الحرب العالمية الثانية التي تمكن العالم بعدها من وضع نظام عالمي تأسست بموجبه منظمة الأمم المتحدة التي ينص ميثاقها على حقوق الشعوب في تقرير المصير ويلزم الدول الموقعة عليه وهي جميع دول العالم على احترام سيادة الدول وتحريم التدخل في شؤونها.
ولدى هذه المنظمة من السلطات القانونية وآليات التنفيذ ما يخولها استخدام القوة وفق الفصل السابع من ميثاقها عند الضرورة.
والحقيقة أن ظاهرة الهيمنة وبسط النفوذ والتدخل في الشؤون الداخلية قد انتهت تقريبا في القارة الأوروبية أو على الأقل في القسم الغربي منها بعد أن تمكن الفرقاء فيها من صياغة نظام إقليمي لعبت تجارب الماضي المريرة دوراً هاماً في الوصول إلى القناعة بضرورة الالتزام به وتطويره لتحقيق فرص أفضل لتقدم شعوبها.
إلا أن هذه الظاهرة تبرز على أشدها في مناطق أخرى من العالم خاصة منطقة الشرق الأوسط التي شهد تاريخها شتى أنواع الصراعات الدموية، قومية ودينية ومذهبية، صراعات لم تزل شاخصة حتى يومنا الحاضر تسهم في زعزعة استقرار وأمن المنطقة.
فلا وجود لنظام إقليمي يحفظ استقرار هذه المنطقة ويضمن أمن دولها، فأجواءها السياسية تتأثر بما تفرضه القوى العظمى في توافقاتها من رؤى وما تلعبه بضعة من دولها من أدوار.
الثقل الرئيسي في هذه المنطقة، مساحة وسكانا وثروة، هو "العالم العربي" إلا أنه معرض أكثر من غيره للتدخل في شؤونه، حيث إن معظم الصراعات تدور على أرض هذا "العالم" وتحصل معظم التدخلات في شؤون دوله وذلك لضعف مناعته.
فعلى الرغم من وجود جامعة عربية تأسست عام 1945 واتفاقية دفاع عربي مشترك جرى التوقيع عليها عام 1950 إلا أن من الصعب الحديث عن وجود نظام عربي قادر على حمايته، فقد تلقى هذا النظام ضربة قوية باتفاقيات كامب ديفيد وانتهى بالاحتلال العراقي للكويت. وهكذا تراجعت قدراته على ردع التدخلات في شؤونه الداخلية حتى من قوى أقل منه قوة وبأسا.
إن نجاح دولة ما بإدامة تدخلاتها بشؤون الدول الأخرى وسعيها المتصاعد لتوسيع نفوذها الإقليمي مرهون بعوامل عديدة منها ضعف الطرف المستهدف وعدم وجود تحالفات له مع قوى أخرى تردع من يحاول المساس بمصالحه، ومرهون كذلك بعدم تعارض هذا التدخل مع مصالح بعض الدول العظمى.
ومرهون إلى درجة كبيرة بقدرتها على تحمل الخسائر المادية والمعنوية في حالة توافر ردود أفعال قوية لم تكن في حساباتها من قبل الطرف المستهدف.
هوس التوسع الإقليمي لبعض دول المنطقة يواجه تصدياً حازماً وسط إرهاصات حول مولد نظام عربي جديد ودعوات لإنشاء قوات عربية مشتركة لدرء الأخطار التي تواجه دول العالم العربي.