لم نكن نميز بين عبد الله عيسى وبين عيسى عبد الله. كلاهما أبناء حارتنا. وفي الحارة أيضاً أسامة وحنا وإلياس ومريم وليلى. كنا نذهب إلى المدرسة معاً. نلعب في حقل الزيتون، نأكل التين والمشمش من على الشجرة معاً.
نسبح في النهر نفسه ونشرب الماء نفسه.. وكان لنا أربعة أعياد في السنة: الفطر والأضحى والفصح ورأس السنة. عيدان للمسلمين وعيدان للمسيحيين، والأربعة أعياد لنا كلنا نحن أبناء القرية الواحدة والمدينة الواحدة والبلد الواحد.
في كل أشكال الاحتلالات كان هدفهم واحد وطريقتهم ذاتها. الفتنة ثم الفتنة ثم الفتنة. ويبدأون بها. بين المسيحيين. المسلمين. ومثلما فعلوا بفلسطين. في يافا وحيفا والقدس. رام الله. فعلوا بالبصرة والموصل وفي المنصورة. طنطا. في الإسكندرية. الصعيد. لكن خاب مخططهم. فشلوا كما فشلوا أول مرة. وبقي العرب اتباع عيسى.
محمد وحتى بعض أبناء موسى المؤمنين الحقيقيين من هذه الأرض العربية المباركة. نتذكر عروبتنا في طقوس عيد الفصح فيما سكين التقسيم تنغرز أعمق في لحمنا وتتحرك بالطول والعرض. جيئة. ذهاباً. شمالاً وجنوباً. لم يعد يسمع أنين الأمهات ولا طحن عظام الأطفال. لكأن الوطن العربي كله.. مجزرة!
لقد دخل العالم فعلياً في مرحلة حرب باردة جديدة، ولكن بمواصفات وعناصر أكثر تعقيداً وخطراً على العالم، مقارنة بسابقتها التي انتهت قبل ربع قرن، قوامها البروباغاندا المعتمدة على وسائل وتقنيات بالغة التطور والتأثير؛ وعلاقات سياسية ودولية معقدة ومشحونة ومتوترة إلى أقصى الدرجات؛ وسباق تسلح محموم على الأرض وفي الفضاء؛ واستخدام أساليب ضغط موجعة، من خلال الحصار والعقوبات في المجالات الاقتصادية والمالية، وقطاعات الطاقة والصناعات الحربية والاستراتيجية.
وما يزيد الأمور خطورة ورعباً، أن الحرب الباردة، بنسختها الجديدة، غير مقيدة (كسابقتها) بأية اتفاقيات أو معاهدات بعد انهيارها منذ عهد الرئيس الأميركي بوش.
عالم اليوم يعيش حالة الاستقطاب والاصطفافات الدولية الجديدة، وانتهاءً لحالة هيمنة القطب الواحد، يرافقها توتر ومواجهة وسباق تسلح منفلت من أية ضوابط أو كوابح، مما يشكل تهديداً حقيقياً للبشرية وحضارتها بالفناء.
ولا بديل عن هذا الواقع الدولي المأزوم حد الانفجار سوى تحمل الدول العظمى والشعوب الحية وقواها العاقلة، لمسؤولياتها في وقف الانزلاق نحو الهاوية التي لا قرار لها، والعمل الجاد، وضمن قيم الحق والشرعة الدولية.
ثمة من يراهن على تصاعد الخلاف غير المسبوق بين الحكومة الإسرائيلية بزعامة نتانياهو وبين إدارة الرئيس الأميركي أوباما.
وهذا رهان ممكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية في حال وضع العرب ثقلهم خلفه موحدين متحدين فالمشروع الصهيوني فقد قيمته الأخلاقية ودوافع قيام إسرائيل لأسباب إنسانية على خلفية ما تعرض له اليهود من مآسٍ في أوروبا على أيدي النازيين والفاشيين. فلم يعد الهولوكوست ومحارقه قائماً. وتحول إلى مجرد ذكرى.
ولم يعد لدى الفلسطينيين سياسة يمكن وصفها بالتطرف. ويمكن أن تشكل إدانة فاقعة لهم أمام المجتمع الدولي. من خطف الطائرات أو قتل المدنيين أو غيرها من العمليات التي لا تحظى بموافقة المجتمع الدولي وشجبه بل بالعكس إن المآسي والمجازر والمحرقة.
هي تلك التي يقترفها جيش الاحتلال والمستوطنين المستعمرين بحق الإنسان الفلسطيني وتراثه وقيمه وممتلكاته ومقدساته. مما يدفع المجتمع الدولي وخاصة أوروبا وحتى الولايات المتحدة لشجب هذه الممارسات التي غالباً ما يقترفها الإسرائيليون بحق الفلسطينيين.
السياسات الأميركية لن تخذل إسرائيل لكنها تنقذها من صهاينة متطرفين مثل نتانياهو. ولكنها تشكل غطاءً للأوروبيين وتُشجعهم على مواصلة سياستهم وتقدمهم ضد المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي وهي لا شك خطوات وسياسات ومواقف تراكمية. من قبل الأوروبيين والأميركيين على السواء لصالح المشروع الوطني الفلسطيني.
وتقدمه على الطريق الطويل الصعب والشاق لاستعادة كامل حقوق الشعب العربي الفلسطيني. ولقد جاء قبول فلسطين عضواً في المحكمة الجنائية الدولية بارقة أمل بأن العالم بدأ يصحو على الكذبة الصهيونية. وبإمكان أميركا أن تضغط على إسرائيل عندما يجد الجد.
فقد عاند اسحق شامير رئيس وزراء إسرائيل إدارة الرئيس بوش الأول ورفض فكرة مؤتمر مدريد للسلام في أكتوبر1991 لكن بوش هدده بوقف تسهيلات القروض البالغة 10 مليارات دولار التي كانت تمنحها أميركا لإسرائيل ما أجبر شامير على الذهاب مذعناً إلى مدريد .لكن. للأسف. تحايل الخبث اليهودي على بوش وعلى العالم و..علينا والتف على عملية السلام. لكأننا «لا رحنا ولا جينا»!
نحن العرب في أمس الحاجة لنلملم شتات قوتنا. ودفن خلافاتنا. وإحياء امتنا. لا نجاة لنا إلا بنا ولا طريق غير المشروع العربي في مواجهة المشاريع التي تلتهمنا قطعة قطعة.