قام جزء كبير من نخب الشوام في القرن التاسع عشر بالهجرة إلى مصر، وقد ضمت هذه النخبة عدداً من الأدباء والصحافيين والمفكرين وكلنا ما زال يتذكر اسماء مهمة كالكواكبي وجورجي زيدان وبشارة وسليم تقلا وحقي العظم واسعد داغر وفرح انطون وشبلي شميل ومي زيادة ... الخ كما أن جزءًا آخر هاجر إلى الامريكتين وكلنا يذكرهم باسم المهجرييّـن كميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وإليا أبو ماضي الخ.

حضرت لخاطري هذه الواقعة اثناء لقاء حميم في دبي ضم عددا كبيراً من النخبة السورية المبدعة التي غادرت وطنها في مراحل مختلفة، فمنهم الشعراء ومنهم الفنانون التشكيليون ومنهم الروائيون ومنهم المخرجون ومنهم المفكرون، وتذكرت الرهط الكبير من الأصدقاء الموزعين اليوم في بلدان العالم الأوروبي، والحق إن هجرة الشوام إلى مصر تشبه إلى حد كبير هجرتهم اليوم إلى الإمارات، صحيح أن النخبة السورية قد توزعت اليوم على بلدان العالم غير أن فرنسا والإمارات البلدان الأكثر استيعابا للنخبة الثقافية.

وهذه الهجرة الثانية اكثر اتساعاً من الهجرة الأولى، وفقدان سوريا لهذا العدد الكبير من نخبها حادث سيلقي بظله على تاريخ الثقافة الروحية في الشام. إن أي تدمير مادي قابل للاستعادة والتعويض عبر زمن قصير، أما أن يفقد المجتمع صنّاع الثقافة المعبرين عن زمن طويل من تاريخ الإبداع فهذا أمر لا يعوض.

وعندي إن النخبة الثقافية هي روح المجتمع، هي التي تنتج عقل المجتمع، وهي التي تصنع تاريخ وعيه الجمالي والفكري والمعرفي. فمن ذا الذي يتخيل مجتمعاً بلا نخبة كهذه.

متى يخسر مجتمع ما نخبه الثقافية؟

يدلل التاريخ على أن الحكم الدكتاتوري يقع في تناقض دائم مع النخبة الثقافية، وآية ذلك أن المبدع للثقافة يبني علاقة بالجمالي والحقيقي والأخلاقي والإنساني وهذا كله لا ينفصل عن الحرية.

فيما تاريخ الدكتاتورية هو تحطيم هذا كله، فتندفع النخبة الثقافية إلى عالمها المختلف اتقاء شر العنف والقمع، وتحاول جاهدة أن تجد لنفسها حقلاً تقوياً من الخلق الفني والجمالي ولكنها بسبب الارتباط الذي لا ينفصل بين المبدع والقيم التي ذكرت تحاول أن تجد لها مكاناً ما تتوافر فيه شروط حريتها، أو تنزوي صمتاً، أو تقاوم وتبدع في تحدٍ شجاع لحال القمع.

وفي كل الأحوال يخسر مجتمع ما يعيش في ظل الدكتاتورية جزءا لا بأس به من نخبه. غير أن أخطر حالة طاردة للنخبة المبدعة والمثقفة هي الحرب الداخلية التي تأتي نتيجة ثورة ما أو احتجاج أو صراع على السلطة.

فالنخبة المبدعة في أكثريتها تنحاز بالضرورة إلى قيم الحرية ولا تملك من السلاح إلا القلم والريشة وإزميل النحت وأنامل العزف وحنجرة الغناء.

إنها وهي منحازة إلى قيمة الحرية وندائها العملي لا بد لها أن تعبر عن انحيازها هذا، غير أن الخطر الناتج عن تعبير كهذا من اعداء قيم الحرية الذي يصل حد الوصول إلى حافة الموت يحملها على الهرب إلى عالم يوفر لها الشرط اللازم لحرية تعبيرها وهكذا يفقد المجتمع الأصلي شيئا فشيئا نخبه المبدعة التي تعيش تجربة الإبداع في عالم آخر في انتظار العودة إلى عالم جديد يوفر لها شرط الإبداع الخارجي ألا وهو الحرية في الوطن.

 بين هجرة الشوام الأولى قبل أكثر من قرن إلى مصر والأمريكتين وهجرتهم إلى الإمارات وباريس هذه الأيام تشابه في الهم والتجربة الوجودية والثقافية والإبداعية ربما لا يلحظها المراقب في هذه الأيام بسبب جدة الظاهرة الجديدة لهجرة الشوام، ولكن سيأتي زمن يكتب أحدهم كتاباً بعنوان هجرة الشوام إلى الإمارات.